السلاح: وَثَنٌ جاثمٌ على جماجم السوريين - مقالٌ منشورٌ في صحيفة الحياة




لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا
جنودٌ يسجدون جماعةً على التراب، سواعدُ تحمل الرشاشات والسيوف، أَعْلامٌ بألوانٍ شَتّى ترفرف في ساحات الوغى، شاباتٌ يتباهَيْن بالتقاط الصور التذكارية مع خُوَذِ العسكر والدبابات: هذا ما يعرضه الإعلام الذي يغطّي الأثير السوري، الرسمي وغير الرسمي، الموالي والمعارض. يمتزج هذا العرض مع صيحات الله أكبر واستجداء الرموز الدينية، في محاولةٍ هذيانيةٍ لإضفاء قداسةٍ على العنف، في سبيل الوصول إلى شرعنةٍ لهذا العنف؛ علّ ذلك يزيل عنه نجاسة الجريمة ودنس الكبائر.

يَضُجُّ المشهد السوري الحالي، بصرياً وسمعياً، بجرعةٍ عاليةٍ من البروباغندا العنفية التي تُؤَدْلِجُ السلاح، وتقدمه كوسيلةٍ وحيدةٍ بلا بدائل، كضمانةٍ حصريةٍ للأمل، وكبوصلةٍ تدلنا على الحلم المنشود. لم تكن البروباغندا العنفية، على مدى عقودٍ من الحكم الاستبدادي، غريبةً عن المشهد السوري. لكن، مع اندلاع الصراع العنفي الحالي، وصلتْ هذه الروباغندا إلى مستوياتٍ حَوَّلَتْ معها العنف إلى هدفٍ عبثيٍّ قائمٍ بذاته، وجعلتْ من السلاح وَثَناً يجثم على جماجم السوريين، ومرجعيةً مطلقةً تحدِّد الفرز والإقصاء وسفك الدم. فقد غَدَتْ عبادة السلاح/الوثن طقساً يحدِّد الاصطفاف، ويحدِّد عمق الولاء لهذا الاصطفاف (مع النظام أو الثورة)، كما لم يعد تأييد القتل كافياً كي تكتمل فروض الطاعة للسلاح/الوثن المتعطش للدم: لا بد من تفريغ القتل من كونه جريمةً، وتحويله إلى حدثٍ سعيدٍ في سياق جنونٍ جماعي، لا بد أن نعيش البهجة/النشوة بارتكاب القتل!
لهذه البروباغندا العنفية مستلزماتٌ يُوَظِّفُها عرّابو السلاح من كل الأطراف: الصوت العالي المشفوع بالضرب على الطاولة، الحديث عن الدعس والحديد والنار، السخرية من كل صوتٍ يدعو لحقن الدم، تأجيج مشاعر الكراهية والثأر، التحليلات العسكرية ذات الخيال المجنح والمثير للشفقة، التبجُّح المستمر بتحقيق الانتصارات الميدانية، والضجيج الإعلامي المحيط بكل ما سبق؛ ممارساتٌ تقدِّم في مجموعها برهاناً على فشل السلاح في تحقيق ما أُريد له أن يحقِّق. ألا يعتبر ارتفاع منسوب البروباغندا/الأدلجة دليلاً على استعصاء الحلم؟ وعلى عجزه عن التحقق؟ ألا يتخلّى الحلم حينها عن كونه حلماً؟ هنا يُمْسَخُ الحلم، الساعي إلى رفاهية الإنسان، في كابوسٍ يغتال هذه الرفاهية ويهمِّشُ الإنسان. يحتجب الكابوس، كي يستمر، خلف قناعٍ سميكٍ من الكذب الـمَسْبُوك في مصطلحاتٍ خطابيةٍ كبرى (وطن، ممانعة، مقاومة، ثورة، شعب، جيش إلخ)؛ لا يجمع هذه المصطلحات عملياً سوى استعباد الإنسان، واستخدامه كمجرد شيءٍ، خدمةً للكابوس.
قد تكون القناعة الـمُضْمَرة لدى كل الأطراف بفشل الخيار العنفي، وعدم قدرتها على تخيُّل أي خياراتٍ أخرى، من الأسباب التي تدفع إلى عدم الاعتراف العلني بذلك الفشل، ما يؤدي إلى مزيدٍ من التدهور في كارثةٍ مصبوغةٍ بالدماء. نظرةٌ سريعةٌ على الإحصائيات المتراكمة كفيلةٌ بتوضيح عمق الكارثة وفظاعتها. فبين منتصف آذار 2011 وبداية آب 2011، أي في الفترة التي كانت ممارسة العنف مقتصرةً عموماً على النظام، كان هناك 1668 ضحية بمعدل 374 ضحية شهرياً. وفي المرحلة الأولى من العسكرة بين آب 2011 ونهاية حزيران 2012 (الذي شهد انعقاد جنيف1) كان عدد الضحايا 12930، أي 1175 ضحية في الشهر. أما في المرحلة الثانية من العسكرة، والتي كانت بين تموز 2012 وحتى تاريخ إرسال هذا المقال للنشر، فقد فقدت سوريا 65713 ضحية، أي أكثر من 80% من الضحايا السوريين بمعدل 3865 ضحية شهرياً.
لا تشمل هذه الأرقام المأخوذة من مركز توثيق الانتهاكات (وهو من المصادر الـمُتَحَفِّظَة والدقيقة نسبياً في جمع المعلومات) آلاف الأجانب الذين يتوافدون كي يدعموا الأطراف العنفية تحت مسمّياتٍ مختلفة. أما فيما يتعلق بالضحايا السوريين المحسوبين على النظام فقد أورد مركز توثيق الانتهاكات أسماء 11742 ضحية. وعلى خلاف ذلك يذكر ديفيد كول، في مقالٍ عن سوريا نشرته مجلة نيويورك لمراجعة للكتب في الذكرى الخمسين لتأسيسها، يذكر إحصائيةً، بالاعتماد على المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن "تصنيف" الضحايا السوريين الذين سقطوا خلال الصراع العنفي في سوريا: حيث يشكل السوريون المحسوبون على النظام (جيش نظامي وميليشيات غير نظامية) 41%، في حين تشكل المعارضة السورية المسلحة 20%، والمدنيون السوريون 39% من مجموع الضحايا الذين تجاوزوا 115000 حتى خريف 2013.
مرعبةٌ هي هذه الأرقام الـمُشْبَعَةُ برائحة الموت، لكنها أضعف من أن تملك القدرة على دفع عرّابي السلاح إلى مراجعة مواقفهم وتبريراتهم (مع أن تفسير الميل الفظيع نحو ممارسة العنف يحتاج دراسةً نفسيةً وثقافيةً معمّقة، تتجاوز التبريرات السطحية التي اعتاد عليها صنّاع الخطاب السائد في النظام والمعارضة). وتأتي الوقائع على الأرض، لمن يَوَدُّ أن يراها دون تحيّزٍ أيديولوجي، لتعرّي قباحة المشهد: علاقاتٌ نفعيةٌ بين المسلّح والسلاح وتاجر السلاح، تواطؤٌ على استمرار الأزمة والـمَقْتَلَة، تكاثرٌ للتجمعات العنفية المحسوبة على النظام والمعارضة، فتح البلاد أمام المقاتلين الأجانب والمتطرفين من كل الأطراف، مع ما يفرزه كل ذلك من انشطاراتٍ في المجتمع الهش، وهدرٍ ودمارٍ وخسائر. ولهذا يبدو أن المركز السوري لبحوث السياسات لم يجانب الصواب حين اختار عبارة "حرب على التنمية" عنواناً لتقريره الأخير حول تطورات الأزمة.
أما على المستوى "الثوري" فقد أسهم السلاح في تهميش الحقوق في معادلة الصراع: ففي سياق العنف المجنون لا تكون الغلبة عادةً لصاحب الحق، بل للأقوى تسليحاً وسطوة. يضاف إلى ذلك دفع التطرف إلى واجهة الحدث والاهتمام الدولي، باعتبار أن محاربة التطرف له الأولوية على حساب الحراك الشعبي.
أخيراً، قد يكون هجاء العنف مدعاةً لسخرية أمراء الحرب وعرّابي السلاح ومن يتبعهم في النظام والمعارضة، لكن من المؤكد أن استمرار هذا العنف، وعدم السعي نحو وقفه، وتخوين صوت العقل وإرادة الحياة، سيجعل من النماذج الدموية التي شهدها التاريخ القريب (لبنان، العراق، يوغسلافيا، الكونغو إلخ) نزهةً قبالة ما يحدث وسيحدث في سوريا. وبعيداً عن كل المخاوف والتحليلات، تبرز حقيقةٌ أليمةٌ؛ حقيقةٌ ندركها، مع أننا مولعون بالكذب على أنفسنا كي لا نصدقها: في هذه الأرض، وفي ظل هذه الأزمة العنفية، كلُّ السوريين خاسرون. وحتى إشعارٍ آخر: لا انتصار في سوريا سوى انتصار الموت.

لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا




المعارضة السورية وانتظار "غودو" المُخَلِّص - مقالٌ منشورٌ في صحيفة القدس العربي




صورة تمثل شخصيتي إستراغون وفالديمير في انتظار غودو. 
الصورة مأخوذة من مهرجان ستانفورد - سيلا فون تيدرمان

لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا

مؤلمٌ هو حال "نخب" المعارضة السورية التي يُفْترض بها أن تقدم نموذجاً يتجاوز المستبد، أخلاقياً وسياسياً، وأن تطرح بديلاً قِيَمِياً وطنياً جامعاً وقادراً على الحفاظ على ما تبقى من الدولة والوطن، وترميم واستعادة ما هشّمه وصادره النظام طيلة عقود.
لكن هذه "النخب" المعارضة لا ترى بأساً في الارتهان إلى شعبويةٍ مُجَوّفة، والسباحة مع الـمِزاج العام، والحصول على تصفيق الجماهير، بعد إغراقها بالأمل والوعود، دون اعتبارٍ لما سيُخَلِّفُه كلُّ ذلك من أثرٍ سلبي، ودون أدنى محاولةٍ لتطوير ثقافةٍ سياسيةٍ تأخذ ظروف الواقع وأدواته المتاحة في الاعتبار. فقد انحصرتْ مهمة تلك "النخب" عموماً في الظهور الإعلامي من خارج البلاد، حتى صار حضورها مألوفاً ومكرراً: "معارضٌ سياسيٌ أو عسكريٌّ أو ميداني" يصرخ على محطةٍ فضائيةٍ وهو يتوعد، ويشْتُم، ويكرّر خطاباً يتَمَحْوَر حول عرضٍ مسرحيٍ ومُهِينٍ لعدد الشهداء. يُرَوِّجُ هذا الخطاب النَّدْبي ويتكاملُ، ومنذ المراحل المبكرة للانتفاضة، مع منطق الاستجداء و"انتظار الـمُخَلِّص"؛ علّه يأتي، علّه يفعل، علّه يبادر بالنيابة عنّا، وعلّه يصنع الخلاص لنا، ويعلنه على مسامعنا، نحن السوريين، الذين يُفْتَرَضُ فينا أن نكون أصحاب المصلحة في هذا الخلاص.
من الواضح أن هذه "النخب" المعارضة، بترويجها لمنطق الاستجداء و"انتظار الـمُخَلِّص"، ليست مصابةً فقط بعطالةٍ سياسيةٍ تمنعها من ابتداع الحلول، بل تعوزها النية للتفكير بمثل هذه الحلول أصلاً. فالـمُنْتَظِر مُشْبَعٌ قَهْراً بالروح السلبية، غيرُ حرٍّ، وغيرُ قادرٍ على إطلاق المبادرات، أو الدخول في مواجهاتٍ مباشرةٍ، أو تقديم تنازلاتٍ ذكيةٍ ومرحليةٍ مقابل الوصول إلى الغايات الكبرى. الـمُنْتَظِرُ مُعْتَمِدٌ على الـمُخَلِّص الـمُنْتَظَر، ومُجَرّدٌ من القدرة على الفعل السياسي أو غيره. وهذا ما يضع "النخب" الـمُنْتَظِرَة في موقع "نُخَبَ الاستجداء" التي لا مجال لمقارنتها مع "نخب السياسة". وهذه النقطة الأخيرة، أي الندرة الشديد في السّاسة ورجالات الدولة في سوريا، ملمحٌ من ملامح التصَحُّر السياسي المزمن الذي يجثم على كاهل البلاد، وسببٌ رئيسٌ للوصول إلى الحضيض الذي نعيشه دون أن نتمكن، نحن السوريين، حتى الآن من تجاوزه في ضوء التدهور السريع للأحداث المأسوية.
من البدهي أن يحمل منطق "انتظار الـمُخَلِّص"، في ظل النظام العالمي القائم على علاقات المصلحة والانتهازية، جَدَلاً قِيَمِياً وأخلاقياً حول الكلفة والتبعات المترتبة. لكن بعيداً عن هذا الجدل، فإذا تناولنا منطق "انتظار الـمُخَلِّص" من زاويةٍ عَمَلِيةٍ وبراغماتيةٍ بحْتةٍ، فإن هذا المنطق سيبقى بائساً وعاجزاً عن التحقق، ومحكوماً بالفشل. فهل يمكن للدول التي لعِبَتْ دور المتفرج السلبي (أو الـمُخَرِّب)، في صراعٍ مستمرٍ على مدى ما يقارب ثلاث سنين، أن تلعب دور "الـمُخَلِّص" الإيجابي الحريص على "الشعب"؟ الجواب في رأيي سيكون بالنفي، والدلائل على ذلك واضحةٌ وكثيرة، ولعل آخرها فقاعة الضربة الأمريكية المزعومة، ووعود "أصدقاء" سوريا التي بقيتْ إما حبراً على ورق، أو تحولّتْ إلى عاملٍ لتحقيق توازنٍ هشٍّ مع النظام (ومن يدعم النظام)، مع تأجيج نار الصراع العنفي والحرص على عدم تحقيق أي حسم حقيقي.
من سوء حظ السوريين أنهم قد باتوا محاصرين بين نظامٍ مستبدٍ قاتل، ومعارضةٍ باهتة تنافس النظام استبدادياً، وعنفٍ منفلت العقال، وأوهام "المـُخَلِّصٍ" التي يصدقها من يودُّ أن ينفصل عن الواقع المليء بالقباحة. ويطرح ما سبق تساؤلاتٍ كبرى عن فُرَصِ الخروج من الكارثة التي تجتاح سوريا، ناهيكم عن احتمالات الترميم والبناء.
ولا يكفي في هذا السياق أن نَتَغَنّى بالأمل. فمع الإقرار بأن الأمل موجودٌ دائماً، إلا أن أحد شروط تحويله إلى حقيقةٍ مرتبطٌ بالتخلّي عن منطق "انتظار الـمُخَلِّص"، وتبنّي مقاربةٍ إيجابيةٍ وفاعلةٍ بالاعتماد على الذات وفق ظروف الواقع وقواعد "فن الممكن"، حتى لو أدّى ذلك إلى تحقيق التغيير في صورةٍ تدريجية، فالعبرة في خواتيم الأمور. عدا ذلك فإن الساحة السورية ستغدو مثالاً أليماً لما عبّر عنه المسرحي الإيرلندي "صموئيل بيكيت"، عام 1953، في مسرحيته الشهيرة "انتظار غودو": "... لا أحد يأتي ... الوضع مقرف! ...". هذا هو حال المشهد السوري إنْ بقيتْ روح المبادرة على مستوى النخب المعارضة مكبوتةً حتى إشعارٍ آخر، وإنْ بقي مستقبل الوطن مرتهناً لـمُخَلِّصٍّ ما، يأتينا يوماً ما من مكانٍ ما: حينها لا تغيير في الأفق سوى في عدّاد الضحايا الذين يرحلون عنا كل يوم، وفي حجم الخراب والتدهور الذي يستنزفنا ويُبْقِينا على هامش التاريخ.  

لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا

حين يتحكم البعير بمستقبل الوطن



في كل شعوب العالم توجد نسبةٌ من المواطنين تسير على خطا البعير. قد تكون نسبة هذه الشريحة البهائمية في منطقتنا أعلى من المعدل المتعارف عليه بشرياً وذلك لأسبابٍ عديدة: منها وجود الأنظمة الدكتاتورية التي ساهمت في نشر التخلف والجهل والتقوقع وغيرها من الأمراض الاجتماعية المزمنة والمستفحلة. ومع أن هذه الشريحة، التي لا تملك أدنى حسٍّ بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية، لا تشمل كامل المجتمع، إلا أنها الأعنف والأعلى صوتاً بحكم همجيتها وزعرنتها وعنفها (ملاحظة: هذه الشريحة البهائمية مكونة من مختلف الطوائف والانتماءات المناطقية والاجتماعية وغيرها)
لقد عاثت أطيافٌ من هذه الشريحة البهائمية فساداً في البلاد بعد استيلاء "المافيا القديمة" على السلطة منذ عقود. لكن الوضع لم يتغير الآن. كل ما حدث هو أن "المافيا الجديدة" تعيش طور تشكلها وتحاول أخذ نصيبها مما فاتها! وهكذا بدأنا نرى في صفوف المعارضين كثيراً من اللاهثين بجنونٍ وراء شهوة السلطة والانتقام، أولئك الذين لا يملكون (وفي صورةٍ مشابهة تماماً للمافيا القديمة) أي رؤية أو استراتيجيا: حفنةٌ من الجهلة والمتسلقين والهمج الرعاع ممن يبعق وهو يتشدق بالحديث عن مصير الوطن، ليرسم مصير ملايين السوريين بالقهر والإرهاب وسفك الدماء، وبسلاحه المرتهن لكل شيء عدا الوطن، وبتطرفه ورجعيته وعشوائيته البائسة.
أخيراً لا بد من تسجيل ملاحظةٍ هامة: الرعاع والبعير الذين يشكلون في مجموعهم هذه الشريحة البهائمية ليسوا كما يتصور البعض بثيابٍ رثةٍ وطبقةٍ مسحوقة إلخ. فالرعاع انتماءٌ يتحدد قبل كل شيء بالخواء الأخلاقي والقذارة الروحية – المشهد السوري مثلاً مشهدٌ ممتلئٌ حتى التخمة برعاعٍ يرتدون ربطات العنق ويتحدثون من عواصم أوروبية وعربية إضافةً طبعاً إلى رعاع السلطة والنظام ومن هم على شاكلتهم ممن كانوا أصل البلاء على مدى عقود من الانغلاق والتدهور.


الفكر كضحية للنخب التقليدية: من مواقف الرفض إلى مهادنة الحداثة في الغرب - مقال منشور في ملحق نوافذ في جريدة المستقبل


 


(جزءٌ مُكَبَّرٌ من لوحة "تتويج الإمبراطور نابليون والإمبراطورة جوزفين في كاتدرائية نوتردام في باريس في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1804م"، انتهى العمل باللوحة من قِبَل جاك-لويس دافيد عام 1807م. متحف اللوفر)


شَهِدَ عام 1804 تتويج نابليون بونابرت (ت. 1821م) كإمبراطورٍ لفرنسا. وكما تقول الرواية المشهورة فقد رفض نابليون أن يقوم البابا "بيوس السابع" (ت. 1823م) بمراسم التتويج المتعارف عليها، بل انتزع التاج ليعمد إلى تتويج نفسه بنفسه. تُمَثِّلُ هذه اللحظة الرمزية، التي تم تخليدها فنياً في لوحة جاك-لويس دافيد (ت. 1825م)، انفصالاً بين النخبة السلطوية المتمثلة بالإمبراطور وبين النخبة الدينية المتمثلة، في هذه الحالة، برأس الكنيسة الكاثوليكية؛ لحظة انفصالٍ تحمل في ثناياها انزياحاً في مفهوم السيادة، وفي ممارسة مفهوم السيادة التي بدأتْ بالتشكل في صورةٍ مركزيةٍ في إطار ما سيعرف فيما بعد بالدولة الحديثة: كانعكاسٍ لروحٍ حداثيةٍ جديدةٍ، وفي سياق مَوْجَةٍ من المدِّ العلماني الفرنسي خصوصاً، والأوروبي عموماً، الذي كان قد انطلق قُبَيْلَ وأثناء وبُعَيْدَ الثورة الفرنسية. بالإضافة إلى ذلك فقد حملت هذه اللحظة مصالحةً حَذِرَةً وسطحيةً مع الماضي (كما يظهر بوضوح في نمط الملابس، واستبداد الإمبراطور، وفكرة التتويج بِحَدِّ ذاتها)، لتُشَكِّلَ امتداداً لاتفاقية الكونكوردا عام 1801م، تلك الاتفاقية التي نظّمت وفصّلت العلاقة بين الدولة والكنيسة، أو بين المنظومة السياسية والمنظومة الدينية، ليترسّخ هذا الانفصال في مرحلةٍ لاحقةٍ في التشريعات البونابرتية والقوانين المدنية والعامة.
لم تكن المعاني التي حملتها هذه اللحظة فريدةً من نوعها، بل هي أثرٌ من آثار الحداثة التي كانت تكتسح أوروبا الغربية وتفرض تبدّلاً في مواقف "النخب التقليدية": من رفض الفكر الحداثي إلى عقد مُهَادَنَةٍ معه. فعلى خلاف التحالف الوثيق على مدى التاريخ الـمُدَوَّن، مَالَتْ بعض "النخب السلطوية" إلى دعم بعض "النخب الفكرية" وتبنّي الدفاع عن الفكر الحداثي كشعارٍ مُعْلَنٍ لها، حتى لو أدّى ذلك إلى تخلخلٍ في تحالفاتها مع باقي أنماط "النخب التقليدية".
وكمثالٍ على هذا التخلخل يمكن ذكر النضال المرير في سبيل تحرير العبيد وإلغاء الرِّق؛ هذا النضال الذي روَّجتْ ونظَّرَتْ له كثيرٌ من "النخب الفكرية" في عصر التنوير كقطيعةٍ مع المنظومة القديمة (وانضم إليها بالمناسبة شريحةٌ من "النخب الدينية" من أتباع الكنيسة الإنجيلية). ومع أن هذه الدعوات قد نالتْ حظوةً عند بعض "النخب السلطوية"، إلا أنها جابهتْ استهجانَ كثيرٍ من "النخب الدينية" المتعصّبة و"النخب الأهلية" و"النخب ذات الثروة" من تجار النخاسة وغيرهم من المستفيدين من تجارة العبيد، ما أفْضى إلى صراعٍ طويلٍ بين مناصري ورافضي إلغاء الرق؛ صراعٌ انزلق، في أمريكا الشمالية على سبيل المثال، إلى حربٍ أهليةٍ طاحنةٍ حصدتْ مئات الآلاف من الأرواح. وهكذا أفْضَتِ الـمُهَادَنَةُ التي عقدتها "النخب السلطوية" مع مظهرٍ من مظاهر الفكر الحداثي (قضية إلغاء الرق في المثال المذكور) إلى نتائج إيجابية على رغم ما رافقها من صدامٍ عنفي.
وعلى العكس فقد تأتي المهادنة بنتائج سلبية. ويمكن هنا ذكر الشيوعية التي يفترض أن تشكل نظرياً، في جانبٍ منها على الأقل، أفضل تصالحٍ وانسجامٍ جذريٍّ مع الحداثة (إنْ أردنا تعريف الأخيرة بأنها تغييرٌ راديكاليٌّ وشاملٌ في المنظومة القديمة). فالشيوعية، كما يتم تقديمها في أدبياتها المبكرة، تجسيدٌ لحلمٍ طوباويٍّ في أقصى تجليّاته: المساواة الـمُطْلَقَة في إطار مشروعٍ خَلَاصِيٍّ يشمل كامل الجنس البشري، عبر إلغاء "النخب التقليدية" المنتمية إلى الماضي، وإلغاء احتكارها للقوة والثروة والفكر. إلا أن ما تم تطبيقه بعد صعود الشيوعية إلى السلطة، بعد اتخاذها شكل ثورةٍ شعبيةٍ كاسحةٍ ودموية، كان مثالاً فاقعاً على النتائج السلبية للمهادنة الموقتة بين السلطة (أو السعي إليها) وبين الفكر الحداثي؛ مهادنةٌ أفْضَتْ إلى نتائج مخيبةٍ للآمال: تسلقٌ خبيثٌ على أحلام البسطاء للوصول إلى السلطة، اجتثاثٌ دمويٌّ "للنخب التقليدية القديمة" فقط لتَحُلَّ "نخبٌ جديدةٌ" مكانها لكن تحت تسمياتٍ مختلفة، يضاف إلى ذلك تشكيلُ قطبٍ معاكسٍ للمنظومة القديمة التي تمّت الثورة عليها بالأساس، وتصوير الفكر الحداثي وكأنه منتجٌ حَصْرِيٌّ وأيديولوجيٌّ للغرب الإمبريالي.
لكن المهادنة التي أبدتها "النخب السلطوية" مع الفكر الحداثي (بغض النظر عن النتائج) لا تعني أن "النخب الدينية" في أوروبا قد استمرّت في اتخاذ مواقف متشنجة ورافضة للحداثة. بل على العكس، فقد عَمَدَتْ، هي الأخرى، إلى عقد مهادنةٍ مع الفكر الحداثي. فقد نشأتْ، على سبيل المثال، طوائف من المسيحية البروتستانتية دون أن تحوي على بُنىً كهنوتية تقليدية، وفي حالةٍ من التناغم النسبي مع الحداثة، كونها قد ترعرعتْ وتزامنتْ أصلاً مع لحظات التغيير الحداثي. وهذا ما جعل من البروتستانتية نقطةً محوريةً في المنظومة الصناعية إن أردنا الاستشهاد بعالم الاجتماع "ماكس ويبر Max Weber" (ت. 1920م)، مع الإشارة إلى أن هذا الدور الحداثي المنفتح يتناقض مع الدور المتعصب المنغلق الذي تلعبه أطرافٌ من البروتستانتية في وقتنا الراهن بخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية (وهذا يحتاج تفصيلاً في مقامٍ آخر). وفي صورةٍ مشابهةٍ يمكن الحديث عن التنوير اليهودي الأشكنازي أو مايسمى بـ "هالاخاه". وعلى النقيض فقد عَمَدَت المسيحية الكاثوليكية، بعد قرونٍ من التصلّب الدوغمائي، إلى التصالح البراغماتي والتدريجي مع الحداثة، حيث تُوِّجَ ذلك في مجمع الفاتيكان الثاني في الستينيات من القرن الماضي.
وعلى رغم التغيرات المهادنة التي أصابت مواقف "النخب السلطوية والدينية" تجاه الفكر الحداثي، إلا أن التغيرات العميقة التي أصابت الاقتصاد تبقى ربما العلامة الفارقة الأكبر أثراً. فعلى شاكلة ما حدث مع "النخب الفكرية" (أو ما يسمى بالمثقفين) التي تم تدشينها في مراحل سابقة، فقد ظهرتْ تدريجياً شريحةٌ مستحدثةٌ ومستقلةٌ وطموحةٌ من أبناء الطبقات الوسطى والمتعلّمة التي كانت قد استفادت من التغير الذي أصاب المنظومة التعليمية، ومن الانتعاش التدريجي للتجارة على مدى قرونٍ من عمر ما يسمى بالمدن الحرّة المنتشرة على امتداد الجغرافيا الأوروبية. وقد انتظمتْ هذه "النخب الاقتصادية الجديدة" في برجوازيةٍ صاعدة، لتشمل أيضاً مجموعاتٍ من الإقطاعيين والزعماء المحليين والـمُلّاك المتفرقين الذين انتهزوا رياح التغيير الحداثي. فنشأت المصارف ونضجت أسواق الأوراق المالية، وانتظمت قواعد تأسيس الشركات والمعاملات التجارية، وبدأت عجلة الاقتصاد، وكنتيجةٍ مباشرةٍ للثورة الصناعية، تأخذ صيغةً رأسماليةً على حساب الاقتصاد الإقطاعي العتيق، لتحتل موقعاً أساسياً من مفهوم الدولة الحديثة. وبالتوازي، وفي إطار صعود الفكر الإيديولوجي الليبرالي كنتيجةٍ للحداثة، تمتّعتْ هذه "النخب الاقتصادية الجديدة" بشيءٍ من الاستقلال النسبي، مع قدرتها على التحرر من حالة التماهي (أو حالة التحالف الوثيق) التي كانت تصهر "النخب الاقتصادية القديمة" مع "النخب السلطوية" و"النخب الدينية" في طبقةٍ نخبويةٍ معزولةٍ عن الشعب (إذ كثيراً ما كان الملك/الحاكم هو الكاهن الأكبر، والغني الأكثر ثراءً).
من الضروري أن نُخْضِعَ التغيرات التي طرأتْ على العلاقات بين مختلف أنماط "النخب التقليدية" إلى دراسةٍ دقيقةٍ بُغْيَةَ استيعاب التغيرات اللاحقة في علاقة هذه "النخب التقليدية" مع الفكر الحداثي، وفي تطوّر الفكر الحداثي بحدِّ ذاته. إذ يبدو أن التخلخل في العلاقات بين "النخب التقليدية"، وقدرتها على التعايش، أو رغبتها في التعايش مع "النخب الفكرية" الصاعدة، كان واحداً من العوامل الحاسمة في تحديد معالم وحدود واستمرارية الانفتاح الفكري، وفي تدشين الحوامل السياسية والاقتصادية والثقافية اللازمة لمثل هذا الانفتاح الفكري.
لقد بَرَزَ على هامش هذه التغيرات، وربما في صورةٍ غير مباشرة، مستوىً ملحوظٌ من حرية الفكر الذي تلاقى، لأول مرةٍ، مع بيئةٍ حاضنةٍ نسبياً للعمل المؤسساتي، وزَخَمٍ من "النخب الفكرية" القادرة على النهوض والاشتغال. وهذا ما أدْخَلَ العالم الغربي في أواخر القرن التاسع عشر فيما يسمى بظاهرة نهاية القرن Fin de Siècle؛ كاستجابةٍ جماعيةٍ للحداثة، وكامتدادٍ لسيرورةٍ بدأتْ تدريجياً منذ قرون، وكمساهمةٍ فعالةٍ في ازدهار الفكر الحداثي وِفْقَ أدواتٍ ومناهج من داخل المنظومة الجديدة. وقد استمرّتْ هذه الظاهرة حتى العقود الأولى من القرن العشرين، وشَهِدَتْ نشاطاً فكرياً وثقافياً خلّاقاً وملحوظاً في "الغرب"، ما أدّى إلى تغيراتٍ زلزاليةٍ وثوريةٍ على أكثر من صعيدٍ فكريٍّ: نظرية النسبية والفيزياء الكمومية، أنماطٌ جديدةٌ من الرياضيات غير الإقليدية، الفن الحداثي في القصة والرسم والموسيقا وغيرها، النظرية الخلوية والجرثومية في الطب، التحليل النفسي وعلم الأعصاب ونظرية التطور، المدارس الفلسفية الكبرى، تغيراتٌ على مستوى علم الإناسة والاجتماع واللسانيات والجيولوجيا، وتبدلاتٌ في المنظومة التربوية والصحية والحضور النسوي، يضاف إلى كلِّ ذلك جرعةٌ واضحةٌ من حرية الصحافة والأناركية وروح التمرد إلخ. ولم يكبح هذا الصعود سوى الاحتكاك العنفي بين النزعات القومية ذات الميول العنصرية، واندلاع الحروب العالمية التي ألقتْ بآثارها المدمِّرة على القارة الأوروبية العجوز، ونقلت مركز الثقل الفكري إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد هاجرتْ كثيرٌ من العقول الأوروبية لتستقر في العالم الجديد، كما حدث مثلاً مع مدرسة فرانكفورت الرائدة في النظرية النقدية (حيث استقرتْ في نيويورك بعد صعود النازية في الثلاثينيات من القرن الماضي).
وهنا يجب التأكيد على أن المهادنة التي أظهرتها "النخب التقليدية" مع الفكر الحداثي لا تعني تصالحاً حقيقياً معه، ولا تعني بالضرورة تغييراً راديكالياً وجذرياً في القواعد الأساسية التي تقوم عليها المنظومة السائدة. بل على العكس يمكن القول بأن مواقف المهادنة المذكورة كانت مرحلةً انتقاليةً مَهَّدَتْ للتحول إلى مواقف "الهيمنة الـمُقَنَّعة" التي باتتْ تمارسها، في صورةٍ مُخَاتِلَةٍ، "نخبٌ تقليديةٌ" جديدةٌ ومعاصرةٌ، بعد أن ورثتْ روح التسلط والاستئثار بالقوة عن أسلافها.
أخيراً تجب الإشارة إلى أن الصورة المختصرة التي تم عرضها في هذا المقال تنطبق، في شكلٍ أساسيٍّ، على عددٍ من المجتمعات في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية (أو ما يسمى تجاوزاً بالغرب). وعليه لا بُدَّ، قبل المضي في مناقشة مواقف "الهيمنة المقنعة" على الفكر الحداثي، من الإشارة في مقالٍ منفصلٍ إلى الانتقال من مواقف الرفض إلى المهادنة في منطقتنا المسماة بالشرق الأوسط.

لقراءة المقال من موقع الصحيفة الرجاء الضغط هنا

مأساة الطفولة في المشهد السوري - مقال قديم منشور في صحيفة الحياة

(صراع من أجل البقاء للفنان وسام الجزائري)

طفلٌ سوريٌّ مَحْمُولٌ على الأكتاف يهتفُ بعبارات التهديد والوعيد بالقتل. طفلٌ ثانٍ يَرْوي على أسماعنا، في تَمَاسُكٍ مُدْهِشٍ وسَرْدٍ رهيبٍ ودموعٍ مَكْبُوتَةٍ، كيف تَحَوَّلَ أفراد عائلته إلى مُجَرَّدِ أشلاء. وثالثٌ يعمل مُمَرِّضاً ومساعداً طبياً في عمليات بَتْرِ الأطراف في مشفىً ميدانيٍّ مُهَدَّدٍ بالقصف في أيِّ لحظة. وطفلٌ آخر يرتدي أمشاط الرصاص، ويحمل سلاحاً أطول من قامته الغَضّة، وفي يمينه سيجارةٌ يدخنها، لتَتَصَدَّرَ صُورَتُه صفحات الجرائد الأجنبية.
تَخْلُو الصور ومقاطع الفيديو المَذْكُورة من مشاهدِ الموتِ الفَجِّ، إلا أنها تعبقُ بالموت المُضْمَرِ، في أقسى مشاهِدِه المُتَخَيَّلَة، مع قاسمٍ مُشْتَرَكٍ يجعلها استمراراً تراجيدياً لأطفال درعا: الاستباحة الهَمَجِيّة والأليمة "للطفل السوري"، الذي انْتُزِعَ من المدرسة وباحة اللعب وأقلام التلوين، ليُرْمَى به وسط هذا الجحيم الأرضي. فأيُّ طفولةٍ تلك التي تُحْرَمُ من أبسط مُقَوِّمَاتِ الطفولة؟
في هذا السياق أصْدَرَتِ اليونيسيف، في آذار/مارس 2013، تقريراً حَمَلَ عنوان "أطفال سوريا: جيلٌ ضائع". يسردُ التقرير توَزُّعَ الأطفال في المناطق الساخنة ودول الجوار، مع عَرْضٍ لأوضاعهم العامة والصحية، وتعدادٍ "لإنجازات" المنظمات الدولية في استجابتها الباهتة للأزمة الإنسانية التي تعاني منها سوريا. كما يحفل التقرير بكثيرٍ من الإحصائيات المؤلمة مُشِيراً، على سبيل المثال، إلى أن الأطفال يُشَكِّلُون 50% من اللاجئين السوريين خارج البلاد، وأن مليونين من الأطفال في حاجةٍ إلى مساعداتٍ عَاجِلَةٍ تبلغ نفقاتها بحدود 200 مليون دولار (تَمَّ تأمينُ خُمْسِها فقط!).
يُعْتَبَرُ الأطفالُ عُرْضَةً إلى مختلف أشكال الاستغلال المادي/الجسدي خصوصاً في سياق العنف والفوضى. وفي ظلِّ الاقتتال المُسْتَعِرِ في سوريا، والخراب الذي طَالَ المناطق السكنية في المدن والبلدات والقرى (منها ما سُوِّيَ بالأرض)، فقد بلغ عدد الضحايا من الأطفال ما يزيد عن ستة آلاف، عدا عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين. وفي أعنف الأشكال الراديكاليَّة يغدو الطفل أداةً وجزءاً من الصراع العنفي؛ إنْ على مستوى التجنيد كعنصرٍ مقاتلٍ مُقْبِلٍ على الفناء على خطوط "الجبهة"، أو على مستوى "الجسد" المُسْتَبَاح أولاً بالقتل، والمُسْتَبَاح تالياً بالحَمْل على الأكُف؛ في فعلٍ استعراضيٍّ فظيعٍ يتكاملُ مع فظاعة الموت؛ وكأن وحشيّة قاتل الطفل لا يُمْكِنُ لها أن تتجلّى إلا عبر العرض الوحشي لجسد الطفل/الضحية.
أما الأطفال الناجون من الموت، ومن وحشية تجار الحروب، فسوف "يعيشون" في ظلِّ الفقر والتشريد، مع حرمانٍ شبه كاملٍ من الرعاية الصحية، والتغذية المتوازنة، وغيرها من المستلزمات الأساسية للحياة والنمو السليم.
يجب التوقف عند عُمْقِ الرضوض المعنوية/النفسية التي تتركُ آثارها في ذهنية الطفل وتحفر في ذاكرته. فالطفل السوري ينام ويستيقظ على وَقْع أصوات الرصاص والمدافع والمفخخات والصواريخ، وعلى مشاهد الدم المَعْروضة على الشاشات. ومع تزايد عدد الأيتام الذين فقدوا الأهل، يزداد العبء النفسي الناجم عن الحرمان العاطفي وفقدان الشعور بالأمان. يُضافُ إلى ما سَبَقَ فجوةٌ عميقةٌ على مستوى التحصيل المعرفي بعد تَشَتُّتِ الكادر التعليمي، وتدمير آلاف المدارس، أو تحويلها إلى مقار للنازحين أو حملة السلاح أو للاعتقال والتعذيب. في حين بَرَزَتْ مؤخراً، في الشمال السوري، ظاهرةُ المدارس التي تتبنّى قراءةً متعصبةً للفكر الديني، وتُطَبِّقُ مناهج مؤدلجةً (قد لا تختلف كثيراً، من ناحية المبدأ، عن المناهج الإيديولوجية البعثية التي كانتْ تُدَرَّسُ على مدى عقود). كما لا يجب أن نُقَلِّلَ من شأن الأحقاد التي يَسْكُبُها "الكبار" سَكْباً، على مستوى الحوارات اليومية، في مسامع الأطفال وأبصارهم وقلوبهم. وكأن هؤلاء "الكبار" لا يَكْتَفُون بالفظاعات التي يَرْتَكِبُونَها، بل يُصِرُّون على توريثِ الأطفالِ أمراضَهم ومآلاتِ عنفهم. ولعلّه من النافِلِ القولُ بأن المأساة مضاعفةٌ عند الأطفال المُنْحَدِرِين أصلاً من خلفيةٍ اجتماعيةٍ مُهَمَّشَةٍ، ما يُعَمِّقُ من المعاناة واللامساواة المُسْتَفْحِلَةِ في "المجتمع السوري".
وفي سياق جمودٍ فكريٍّ ومؤسساتيٍّ يُخَيِّمُ على المنطقة، تُعِيرُ قِلّةٌ من السوريين بالاً للآثار التي يتركها الصراع العنفي على الأطفال. ففي سوريا جيلٌ مُثْقَلٌ بالرضوض النفسية والملوثات الفكرية، مع هُوَّةٍ أليمةٍ تتسع يومياً على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي. ومع ذلك لا نجد، بعد عامَيْن، حِراكاً مَدَنِيَّاً متناسباً مع حجم الكارثة. نَلْحَظُ هذا التقصير على مستوى المبادرات الدولية والإقليمية، أو على مستوى المبادرات السورية، سواء في مخيمات اللاجئين خارج سوريا، أو في الداخل السوري. حيث تكاد هذه المبادرات أن تكون شبه غائبةٍ، وإن وُجِدَتْ فمعظمها لا يَتَّصِفُ بالجدِّية، أو يميل إلى مُجَرَّدِ الاستعراض، أو المُسَاوَمَة على الولاءات.
لا خلاف على أن أفضل استجابةٍ لهذا الوضع الكارثي هي في إيجاد حلٍّ جذريٍّ للأزمة، لا الاكتفاء بتجميلها "إنسانياً" في صورة إغاثيةٍ عبر مساعداتٍ من هنا وتبرعاتٍ من هناك؛ فالأعمال الإغاثية، على أهميتها، ليستْ سوى ردة فعلٍ يُفْتَرَضُ أن تكون مؤقتةً، وهي بالتأكيد ليستْ بجوابٍ شافٍ ومُستدام. لكن مثل هذا الحلِّ الجذري، المستند بَديهَةً إلى وقف العنف، في حاجةٍ إلى إرادةٍ سوريةٍ مسؤولةٍ تَعْضُدُها عمليةٌ سياسيةٌ جادّة. هذا ما أفاد به التقرير الأخير للأخضر الإبراهيمي، وهذا ما طَرَحَهُ الشيخ معاذ الخطيب في مبادرته التي تلتقي مع مساعي عددٍ من قوى المعارضة (سوريا بين احتمالات التفاوض والتشظي، الحياة، 29 آذار/مارس 2013). وإلى أن تقتنع الأطراف العنفية (وأولها النظام)، أو تُجْبَرَ على أن تقتنعَ، بالتخلّي عن أحلام الحسم العسكري، ستبقى هذه الصورة المثاليّة بعيدةً عن التحقيق، وستبقى المأساة السورية مُرَشَّحَةً للاستفحال.
أطفالُ سوريا مسؤوليةٌ كبرى على عاتِقِ كلِّ سوريٍّ، وحمايتهم وتحييدهم جسدياً ونفسياً عن فظاعات العنف، أوْلَى من تسجيل السوريين "الكبار" لانتصاراتٍ عَبَثِيّةٍ على بعضهم، أو تحقيقهم لمكاسب بطوليةٍ على خطوط الجبهة التي تُفَتِّتُ وتُدَمِّرُ الوطن. وأخيراً فعلى كلِّ حريصٍ على سوريا أن يتذكر بأن استباحةَ الأطفال استباحةٌ للجيل الصاعد في سوريا؛ استباحةٌ تَذْبَحُ بصَمْتٍ مستقبلَ وطنٍ يبحثُ عَبَثاً عن مستقبل.
تمكن قراءة المقال من موقع الصحيفة بالضغط هنا.



حول فقاعات التدخل العسكري الغربي في سوريا - مقال منشور في صحيفة القدس العربي


(من رسم الفنان رينات شينغاريف)

احتلَّ التهديد بالتدخل العسكري الغربي في سوريا، واجهة الحدث الإعلامي عدة مراتٍ خلال السنتين الماضيتين، وذلك في سياق سلسلةٍ من الأحداث التي تسهم في تفتيت المجتمع السوري. ومع أن هذه التهديدات قد وصلتْ حَدّاً غير مسبوقٍ مع الضربة الأمريكية المزعومة، بُعَيْدَ الاستخدام الفظيع للأسلحة الكيماوية في ريف دمشق، إلا أنها ما لبثتْ أن خَفَتَتْ خلال أسابيع نتيجةً لاتفاقٍ على تفكيك ترسانة تلك الأسلحة.
وكما تمّت الإشارة في مقالاتٍ سابقةٍ (القدس العربي 29 آب 2013 - الحياة 30 آب 2013 ) فالضربة المزعومة، على رغم كلِّ الفقاعة التي أحاطتْ بها، لا تَتَّسِمُ بالجدية، بل تنضوي على كمٍّ هائلٍ من الصفقات والتنازلات التي يقدمها نظام الاستبداد على حساب سوريا وشعبها. وعلى خلاف ما يحلو للبعض أن يُرَوِّجَ له، فإن مثل هذه التهديدات لا تنبع من جَزَعٍ على دماء وآلام الشعب السوري من قريبٍ أو بعيد. لكن يبدو أن التضخيم الإعلامي الذي رافق الضربة المزعومة مؤخراً كان شديد الوطأة ما دفع بكثيرٍ من "المثقفين" و"السياسيين" السوريين وغيرهم، ممن يعتمد على الإعلام والتصريحات الاستعراضية كمصدرٍ للمعلومة والحضور السياسي، إلى ركوب الموجة. وقد وصلت الجرأة ببعضهم حدَّ إعطاء تواريخ ومواعيد محددة لهذه الضربة، وللأهداف التي سيتم تدميرها، حتى ليخيل للمراقب أنهم جالسون في عقر دار الإدارة الأمريكية (التي كانت، على الأرجح، تضحك في سرِّها على سذاجة "مثقفي وسياسيي" المنطقة).
قد يبدو الحديث عن التدخل الخارجي في سوريا قضيةً لا طائل منها، فمثل هذا التدخل حاصلٌ بحكم الواقع كما في الميليشيات والعناصر غير السورية التي تقاتل مع أو ضد النظام. وفي حين تُبْقِي الدول العظمى جزءاً مهماً من خيوط اللعبة في يدها، تتكفل هذه الدُّمى في النظام والمعارضة بسفك دماء السوريين، وتخريب سوريا وفتح أبواب "إعادة الإعمار"، مع المحافظة على الصراع داخل الحدود (وفقط داخل الحدود). فهل يرغب الغرب فعلاً بالتدخل؟ لماذا عليه أن يرسل جنوده؟ أو أن يدفع كلفة العتاد؟ أو أن يتحمل ضغوطات الرأي العام الغربي بخاصة بعد الصيت السيء للتدخل في العراق؟ السياسة الدولية خاويةٌ من الاعتبارات الأخلاقية، ومع أخذ إسرائيل والوضع الجيوسياسي في عين الاعتبار، نجد أن التدخل العسكري الغربي في سوريا قضيةٌ فيها كثيرٌ من العبث واللاواقعية، وورقة ابتزازٍ خطابيٍّ يتلاعب بها كثيرٌ من اللاعبين في المشهد السوري.
لكن أحياناً قد تنبئنا المواقف من حدثٍ ما بما هو أكثر أهميةً وخطورةً من الحدث بحدِّ ذاته. وهذا ما ينطبق لحدٍّ ما على الفقاعة الإعلامة التي أحاطتْ بالضربة الأمريكية المزعومة، وبموضوع التدخل العسكري الغربي عموماً. فما يدعو للإحباط هو ذلك الحضور القوي والمركزي "للكذب" في المشهد السوري، وعلى لسان من يفترض بهم أن يكونوا نخباً مثقفة: كم مرةً خرجوا على الشاشات كي يكذبوا على شعبٍ يعيش كارثةً حقيقية؟ كم مرةً خرج أبواق النظام وهم يقولون "خلصت"؟ وكم مرةً خرج نجوم المعارضة وهم يتحدثون عن "ساعة الصفر"؟ كم مرةً قدّموا "التدخل العسكري الغربي" وكأنه استهدافٌ مؤامراتيٌّ لمواقف الممانعة؟ أو كأنه قطعةٌ من الفردوس المفقود التي ستحقق الأحلام؟
لكن المخيف أكثر هو وجود "جماهير" مستعدة لتصديق هذا الخطاب الكاذب دون أن تنزع الغطاء عمّن اعتاد صنعة الكذب خلال سنتين. إذ يبدو أنه ليس مهماً عدد المرّات التي تم الكذب فيها، وليس مهماً إن كانت الكذبة ذاتها مُكَرَّرَةً ورخيصةً وساذجة، ما يهم أن تكون الكذبة تدغدغ المشاعر، وتُسْمِعُ من يتلقاها ما يريد سماعه: فالمستمع يود الحصول على تخديرٍ بالكلمات المجبولة بالأحلام الوردية، دون أن يعي أن مثل هذا "الكلام" يبقى "كلاماً" لا يؤثر على مسارات الأحداث، ولا يغير من الواقع المر. ويخبرنا ما سبق أن العقلية السائدة لم تدركها الثورة بعد، إذ ما تزال تعيش يأسها، وما تزال تتخبط في مراهقتها السياسية وشعبويتها المبتذلة، فتغيب الحكمة عن المشهد، وتستند المحاكمة في قضايا الدولة –إنْ وُجِدَتْ مثل هذه المحاكمة أصلاً- على الأقاويل والشائعات والأحقاد والغرائز، ويغدو مستقبل الوطن في عهدة مجموعاتٍ متفرقةٍ من العنفيين والمتسلقين والمنتفعين والحالمين والسذج والنجوم الذين يتم تلميعهم إعلامياً.
ما يستدعي التوقف عنده أيضاً هو مواقف السوريين التي أحاطتْ بالتهديد بهذه الضربة، والتي اختلفت، كما هو متوقعٌ، في شكلٍ حادٍّ وصداميٍّ لتعكس عمق الانقسام الموجود أصلاً في المجتمع السوري الـمُنْهَك. فقد كان لافتاً، على سبيل المثال، أن نرى تلك اليقظة الفجائية لبعض المؤيدين الذين ما فتئوا يتجاهلون صواريخ النظام وهي تنهال على إخوتهم في الوطن، ويتجاهلون وجود ميليشياتٍ غير سوريةٍ تقاتل مع نظامٍ يدّعي حماية السيادة. كما كان مؤسفاً أن نتابع حالة اليأس التي تمكنت من بعض "المعارضين" و"الثوار" في صورةٍ تتناقض جوهرياً مع فكرة الثورة وتلغيها.
يجدر الانتباه أيضاً إلى بروز قطبين متطرفين من "المثقفين". فهناك "المثقفون المؤدلجون"، أصحاب الخطاب الخشبي العتيق، والشوفينية المتجذرة، ورهاب الآخر، أولئك الذين يُحَرِّمُون التدخل الأجنبي، ويَغُضُّون الطَّرْف عن الفظائع التي يرتكبها النظام الفاشي والسلطة المتطرفة المتشبثة بكرسي الحكم. وهناك النسخة السورية من "المثقفين الجلبيين" الذين يواكبون الحداثة عبر معاكسة (وفقط عبر معاكسة) أولئك الذين يعترضون على التدخل، دون أن يمانعوا كيْدياً بجرعة قتلٍ إضافيةٍ طالما أنها بيد الأجنبي أو التطرف الإسلاموي؛ مع أنهم يوقنون أن ذلك لن يوقف دوامة القتل في الأساس.
وهنا بات التمسك بالوطنية السورية (الهشّة والمتهتكة أصلاً) مدعاةً للتنابذ والانتقاص، وشتيمةً يوجهها البعض وهم يتسهزؤون "بالوطنيين". ففي بعض المحافل صارت كلمة "وطنجي" توصيفاً يُقْصَدُ منه اللمز والازدراء. ولا تنطلق أغلب هذه المواقف من مراجعةٍ فكريةٍ/سياسيةٍ لمعاني الوطنية في سياق القرن الحادي والعشرين (وهي مراجعةٌ مطلوبةٌ على أيِّ حال)، بل من اتهامٍ يضع كل رفضٍ للتدخل الغربي في خانة التخشب والأدلجة وتأييد القتل والقمع الذي يمارسه النظام السوري! لكن على عكس هذا الاتهام السطحي والمراهق، تشير النظرة المتأنية إلى أن من رفض الضربة، ورفض قبلها وما زال يرفض قمع وجرائم النظام وأشباهه، هم الأقل انتقائيةً والأكثر انسجاماً مع مواقفهم، على الأقل من خلال اتخاذهم للقيم الـمُجَرَّدَة مرجعيةً وبوصلةً لهم.
أخيراً، يبقى الأمل في أن نخرج، نحن السوريين، بدروسٍ مستفادةٍ من ملف التدخل الخارجي (وغيره من الملفات الإشكالية التي ملأت فضاء الأثير العام)، وأن ندرك أنه ليس سوى ملفٍ لعبت به كثيرٌ من القوى على سبيل الابتزاز، وبهدف إطالة عمر الكارثة وتعميقها، واستنزاف الوطن وأبناء الوطن، مع المحافظة على الاستعصاء القائم دون حسم. عدا ذلك ستبقى سوريا وشعبها في عهدة نزاعٍ عبثيٍّ ودمويٍّ بين نظامٍ مجرمٍ ومعارضةٍ فاشلةٍ وحراكٍ مشتتٍ وقوىً متطرفة، يضاف إليها صراعات القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح المتضاربة. 

الاقتتال الأهلي وسؤال الضحية والجلاد في سورية - مقالٌ منشورٌ في القدس العربي في حزيران 2012





نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي في حزيران 2012
هو الشاعر الراحل محمود درويش ذاك الذي يقول في "مديح الظل العالي": "بيروت قصتنا، بيروت غَصَّتنا، وبيروت اختبار الله". يبدو أننا في زمانٍ تجاوزنا فيه غَصَّة بيروت، لتصبح فيه سورية غصتنا. فكلُّنا يتابع شلال الدم القادم من سورية، منذ انطلاقة الانتفاضة في مارس/آذار 2011، وكلُّنا يرْقُبُ سلوك اللاعبين الأساسيين في المشهد السوري المعقّد. فهناك النظام ولغته القمعية والاستبدادية، والمعارضة الميدانية بزخمها العفوي والمنتشر، والمعارضة السياسية بأدائها البائس والمراهق. يُضاف إلى ذلك مجاميع مسلحة تحت مسمياتٍ مختلفة، منها ما يدافع أو يهاجم باسم الانتفاضة، ومنها ما يحمل صبغةً جنائيةً أو ميولاً متطرفة، ولكن ما يجمعها هو أنها غير مجتمعةٍ تحت قيادةٍ موحدة.
لكن ما حدث ويحدث مؤخراً في منطقة حمص، وخاصة في ريفها، ليس سوى نذير شؤمٍ حقيقيٍ يجب أن يُؤخذ بكثير من الجدّية والحكمة. إذ تشهد هذه المنطقة المعروفة بنسيجها المعقد والغني، توتراً متصاعداً، وحالة احتقان، وعنفاً متبادلاً، واصطفافاً أهلياً تبعاً للولاء السياسي أو الانتماء الطائفي. وتتحدث آخر الأخبار المتضاربة والواردة من هناك، والتي لم يخرج معظمها على الإعلام، عن مجازر وصداماتٍ واعتداءاتٍ أهلية بحتة، على شكل كرٍّ وفرٍّ، بين أبناء القرى الصغيرة المتجاورة والمتداخلة، يرافقها أو يُؤجِّجها تصعيدٌ أرعنٌ من قوات النظام الرسمية وغير الرسمية التي لا تستوعب سوى لغة العنف. ولم تكن "مجزرة الحولة" الرهيبة، التي ينْدى لها جبين الإنسانية، أولى تلك المجازر التي حدثتْ في سورية، والتي نشعر بالذعر والألم من أن تتحول إلى حدثٍ متكرر. ويشير كل ذلك وبشكل جليٍّ إلى تحولٍ في المعادلة القائمة في البلاد من صيغة "نظام ضد معارضة"، إلى صيغة أكثر تعقيداً تشتمل، بالإضافة إلى ما سبق، على "شرائح أهلية ضد شرائح أهلية"، مما يُدخِلنا في حربٍ أهليةٍ باردة وغير معلنة، ويدفع إلى التحذير الواضح من خطر تحولها إلى حربٍ أهليةٍ مدمرة لا تُبقي ولا تذر.
ولا يجوز التعامي عن هذا الخطر، أو الاستهتار به تحت شعارات من قبيل "الشعب السوري لا يمكن أن يقع في حرب أهلية". فنحن نعيش ظروفاً مختلفة وغير مسبوقة في تاريخنا، و"الشعب السوري" في النهاية من لحمٍ ودم، خاصةً في ظل الظروف الأليمة التي تمر بها البلاد، والتي تسْتَثير الغرائز وتُغيِّب العقل. فالسلطة المستبدة مستمرةٌ في قمعها بعد أن فقدت أهليتها في إدارة البلاد ناهيكم عن إدارة الأزمة، ووضع المعارضة السياسية لم يرقَ بعد إلى مستوى من النضج السياسي يؤهّلها للاشتغال الجدّي واجتراح الحلول بعيداً عن النحيب والصراخ على الإعلام. وقد حوّل ذلك سورية إلى ساحةٍ يسودها العنف، وإلى بيئةٍ خصبةٍ لجذب وترعرع التطرف التابع لمسلحي النظام الرسميين وغير الرسميين، أو بعض الأطراف التي اضطُرَّتْ إلى حمل السلاح، أو تلك التي ركبت الانتفاضة لدواعٍ جنائية بحتة. أضف إلى كل ذلك حالة الغضب العارمة وغياب العدالة المزمن التي يعاني منها المجتمع السوري بشكلٍ عام، والمجتمعات الريفية المحلية ذات البنية التقليدية والبسيطة بشكلٍ خاص.
سيقودُنا التحليل العام للمشهد السوري بطريقةٍ موضوعيةٍ إلى توجيه الاتهام إلى السلطة القائمة، وتحميلها تبعات ما وصلتْ إليه الأمور باعتبارها المسؤول الأول والأخير من حيث كونها، حسب ادعاءاتها، سلطة. ولا تقتصر مسؤولية السلطة على ما جرى خلال الشهور الماضية من عمر الانتفاضة، بل تتعداها لتشمل حقبةً امتدت على مدى عقود، وشكَّلتْ جذوراً خصبة لما نعيشه اليوم.
وبسخريةٍ مُهينةٍ ممزوجةٍ بطبقيةٍ طفيليةٍ ولا مبالاة يعمد النظام إلى نَعْتِ الجماهير المنتفضة، على طريقة الكاوبوي الأمريكي، بأنهم مجرد "إرهابيين" يستحقون القتل والسحق! مع أن هؤلاء "الإرهابيين" كانوا يموتون ببطءٍ دون أن يشعر بهم أحدٌ طيلة عقود. مما يطرح سؤالاً هاماً حول "الإرهابي" أهو جلادٌ أم ضحية؟ ومن الذي يمتلك الحق أصلاً في إطلاق هذا اللقب على من؟ وهل هناك قتلٌ مسموحٌ وقتلٌ ممنوع؟ تستحق هذه الأسئلة أن نقف عندها برهةً، لا لنبحث عن إجابة، بل لنستوعب عمق وألم المأساة الثقافية والأخلاقية التي نواجهها، والتي سنواجهها. مأساةٌ لا يمكن علاجها إلا بمقاربةٍ ثقافية اجتماعية شاملة نابذة للعنف والدم، تُعْلي من قيمة الإنسان، وتنشر ثقافة الحياة والبناء، لا صناعة القتل والموت.
لكن انتقال الصراع في المشهد السوري إلى المستوى الأهلي البحت، قد زاد من الألم، ونقل البلاد إلى مرحلة جديدة تنذر بالخراب، مما يجعل من عمومية "سؤال الجلاد والضحية" التي تطرحه كل الأطراف سؤالاً عبثياً بكل معنى الكلمة. إذ من السهل على كل طرفٍ من الأطراف الأهلية المتصارعة أن يُبرّر موقفه، وأن يتشنج في الدفاع عنه. ويؤدي ذلك إلى استخدام هذا المنطق التبريري في ارتكاب المزيد من الممارسات الدموية اللامنطقية، مما يُدخلنا في دوامةٍ لا تنتهي من "العنف المبرر" الذي "لا يمكن تبريره" أخلاقياً، مما يذكّر بمقولة الفيلسوف وعالم الاجتماع زيغمونت بومان: "لا توجد ضحية كانت في منأىً من أن تصبح جلاداً"، حيث تذوب في دوامة العنف الأهلي مفاهيم الجلاد والضحية، ليغدو الجميع ضحيةً لاستبدادٍ يتولد ويتمدد ذاتياً.
ومرةً أخرى تبرز قبالتنا عبثية التحليل، ونحن نصطدم بألم المشهد، الذي يمجّد الجنون والغرائز، ويغيّب العقل ويغتاله. فقد انتشر خطابٌ طائفيٌ تحريضيٌ بدأنا نتلمس آثاره كالنار في الهشيم، كما تم الإعلاء من صوت الغريزة ومشاعر الثأر الجاهلي البغيض. ولكن ألا يجدر بنا، في وجه هذا الألم، أن نكون فاعلين فنعالج جذر المأساة (النظام وعنف النظام وما تلاه من عنف مضاد)، عوضاً عن الارتهان والانزلاق لردات الفعل؟ لقد وصلنا إلى منطق اللامنطق، في مرحلةٍ عصيبةٍ نحن في أمس الحاجة فيها إلى العقل. وفي ظل الألم تنطلق المحاولات الأهلية للحفاظ على السلم الأهلي ومنع تدهور الوضع، كان آخرها نجاح المصالحة بين حوران السهل وحوران الجبل، وكلنا أملٌ أن تتكلّل المساعي في ريف حمص بالنجاح، لكن تسارع الأحداث يفوق قدرة القوى السياسية والأهلية الفاعلة في داخل البلاد على مجاراتها.
أسْتحضرُ أخيراً مقولة الفيلسوف جورج سانتايانا: "الذين لا يتذكرون الماضي يكررون أخطاءه ذاتها"، والتاريخ القريب والبعيد في منطقتنا مشبعٌ حتى التخمة بمشاهد الألم والدماء. فمن عصر البسوس و"أيام العرب"، إلى لبنان والعراق، حروبٌ أهليةٌ تطحن معها الأبرياء، وتغتال معنى النصر، ليخرج منها الجميع وهم خاسرون. فهل سيُسْعِفُنا الماضي في تعلم الدرس؟ أم أننا، كما وصف هيغل الجنس البشري، لا يمكن لنا أن نتعلم من التاريخ؟

تمكن قراءة المقال من موقع الصحيفة بالضغط هنا.


حين نغدو ضحيةً لأمراضنا



هل بقي للألم من متسعٍ في قلب وعقل من يتابع المشهد السوري؟ ملايين المشردين واللاجئين، وعشرات آلاف الضحايا، ومئات آلاف الجرحى والمعتقلين والمعذبين. قمة البؤس تكمن في المثقفين السوريين الذين أثبتوا تفاهةً منقطعة النظير، وغياباً بائساً في الحس بالمسؤولية. ركامٌ من الحشو الكلامي، سلاسل من الشتائم، خطابٌ طائفيٌّ عميم، تهافتٌ في الوطنية السورية، انقيادٌ قطيعيٌّ وراء شارعٍ يبحث عمن يقوده، إلى أن تم رهن الدولة للفوضى والعماء، ذلٌّ ما بعده ذل.
أما الكذب والكَيْدِيَّة والنرجسية فهي من السمات الكبرى والعلامات الفارقة الدالة على "المساواة" بين معظم اللاعبين في المشهد: من أصحاب الشراويل الأفغانية إلى أصحاب ربطات العنق، ومن حملة الشهادات العالية إلى الأميين، ومن غيلان الفساد والاحتكار إلى من يحلم بأن يغدو من غيلان الفساد والاحتكار – كيف لا وقطاعاتٌ واسعةٌ من المجتمع قد خضعت لتصحيرٍ فكريٍّ وأخلاقيٍّ ممنهجٍ في مدرسة نظام الأسد البائسة والفاشية؟ عقودٌ من التدجين والتعليب الفكري كفيلةٌ بتخريج مثل هذه النماذج البائسة من المهرجين، وعقودٌ من الاستبداد والتجهيل والتفقير كفيلةٌ بحشو المجتمع بقنابل موقوتة تنفجر لتطيح بالمجتمع والوطن.
هؤلاء أنفسهم، الذين أعموا أبصارنا بالتخوين والكذب والمزاودات، الذين حقنوا الشارع السوري المنشطر حتى الصميم بالأحلام والدم، هؤلاء أنفسهم سيبدؤون عملية التكويع – طبعاً حسب إملاءات من بيده الخيوط التي يحرّك بها تلك الدمى التي تم شراؤها من قبل الروس والأمريكان. النظام خادمٌ ذليلٌ عند أسياده الروس والإيرانيين، قسمٌ واسعٌ من المعارضة مرتهنٌ بابتذالٍ لأولئك الذين يعادون من يساند النظام. وفي الحالتين فالقوى الكبرى غير معنية من قريب أو بعيد بعيون الشعب السوري.
كلام الليل يمحوه النهار، وكلام النهار يمحوه الليل، ليبقى الكلام كلاماً، أما الفعل فهو حكرٌ على غير السوريين ممن يملك القدرة على الفعل! أما القطيع المؤدلج في صيغته الـمُرَفَّهة أو المسحوقة، الغنية أو الفقيرة؛ القطيع الذي أدمن العبودية لشيءٍ ما على هذه الأرض، فهو مستمرٌ بالتصفيق، حتى الموت، دون أن يتعظ ودون أن يفكر لوهلةٍ إلى أين يمضي!
تبرز في خضم هذا الضجيج صورةٌ أليمةٌ: هذا الوطن وهذا الشعب ضحيةٌ لأمراضه التي أُهملتْ حتى استفحلتْ، وصار الشفاء، إنْ كان هناك من شفاء، محكوماً بمرحلةٍ قد تطول من الدم والعنف العبثي والمجنون.

عقلية المُقَدَّس والمُدَنَّس في المشهد السوري - مقالٌ قديمٌ منشورٌ في صحيفة القدس العربي



(لوحة الحب المقدس والمدنس للفنان الإيطالي تزيانو فيتشيللي المعروف باسم تيتيان (ت. 1576))

ملاحظة: تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي منذ حوالي العام في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2012.

يُفْتَرَض أن يُحْكَمَ المشهد السوري بعقليةٍ تقوم بفرز عناصره، وفق مبادئ الصراع السياسي والأخلاقي، إلى حيّزين طموحَيْن: ضد الاستبداد أو مع الاستبداد. لكننا نلحظ نظرةً سائدةً تميل إلى اختلاق حيّزين مُصْطَنَعَيْن على مبدأ المقدّس والمدنّس، وبشكلٍ يتجاوز، ولا يتطابق، مع شروط وحدود الصراع السياسي، أو مُتطلّبات المشروع الأخلاقي المنشود.
ترتكز هذه النظرة السائدة على عقليةٍ تنطلق من المقدّس المتعالي في تعاملها مع اللامقدس الدنيوي. يحدث ذلك عبر سيرورةٍ غير واعية تبدأ بالتشبّع بالمقدّس (وهذا أمرٌ طبيعي في في المجتمعات الإنسانية)، لكن تتلوها مقاربةٌ للذات والإنسان والعالم وفق صيغٍ مقدّسةٍ ذات أبعادٍ تطهّريةٍ وشمولية. حيث تتم، نتيجةً لتلك المقاربة، مَوْضَعَة "الأشياء"، على اختلافها وتناقضها على مستوى القيم المجرّدة، في معسكرين: إما معسكر الـ "نحن" أو معسكر "الآخر". ثم تعمد في خطوةٍ لاحقة إلى إسباغ نعوت الخير الـمَحْض والخلاص الأبدي على الـ "نحن"، ونعوت الشر الـمُسْتَطير والعذاب الأبدي على "الآخر". وإذا سلّمنا أن ذلك ممكنٌ وِفْق "المعقول الديني"، ومتاحٌ على مستوى العلاقات العقائدية بين الإنسان والله، فإعادة إنتاجه في السياق السياسي سينتج "لا معقولاً سياسياً"، ولن يكون سوى ضربٍ من ضروب هذيان الوعي، وانعدام النضح السياسي، وتشويهٍ في وعي الذات والعالم، وتبعثرٍ واختلاطٍ في المفاهيم المنتمية إلى أحيازٍ معرفيةٍ لا يمكن لها أن تجتمع.
هذه النظرة لا تختلق فقط هذين الحيّزين الـمُتَوَهَّـمَيْن، بل تعمد أيضاً إلى ترسيخ نظرةٍ مغلوطةٍ حول كل حيّز، محولةً عناصره المنضوية تحته إلى عناصر متماهيةٍ ببعضها، لتُظْهِرَها في حالةٍ من التجانس الـمُطْلَق. وبالنتيجة يتم الفصل بين هذين الحيَزين بصورةٍ صارخةٍ وقطعيةٍ وأبدية، مما يرسّخ ويؤجّج اختلافاً عميقاً يمنع أي محاولةٍ ممكنةٍ لرأب الصدع. ويُمَهّد هذا لانتزاع كل صفات الخير من الحيّز الآخر، ويُشَرْعِن ويُمَجّد مواجهة الشر بالشر، ويخلق منطقاً تبريرياً أعوج مفعماً بتناقضٍ مُتَعَرٍّ أخلاقياً، ومُفْلسٍ سياسياً على المستوى الوطني. مثل هذا الاختلاف بين حيّزي المقدس/المدنس هو اختلافٌ أزليٌ وأبديٌ لا يمكن حله، في نظر من يَتَشبّع به هذيانياً، إلا بالاستئصال العنفي، ما يؤسس لجذر الصراع الوجودي الذي سعى النظام (وغيره من الأطراف) إلى فرضه على المشهد السوري باستباحته للدم، واستثارته السّادية لمشاعر وردود أفعال الشارع المنتفض.
ويمكن تتبّع أثر هذه النظرة السائدة في المشهد السوري في الشّيْطَنَة الـمُطْلَقَة للنظام أو الثورة (هذا يعتمد على الحيّز الذي ينتمي إليه الـمُراقِب)، وما يستتبع ذلك من تنزيهٍ مُطْلَقٍ للطرف الآخر. حيث يصبح حيز الـ "نحن"، وما يُفْرِزه أو يلتحق به من ظواهر، منتمياً إلى حيّز المحظور نقده، والمحرّم مساءلته، أو حتى التشكيك فيه. ويتم بعدها استحداث دائرةٍ من الخوف والوعيد والكبْت الجديد، حيث يتعرض من يتجرأ على النطق، نتيجة خروجه المزعوم على جماعة الـ "نحن"، إلى حملات تشويهٍ وفرزٍ وإقصاءٍ وتوزيعٍ لصكوك الوطنية والصفاء الفكري.
يحفل المشهد السوري بأمثلةٍ كثيرةٍ عن حضور عقلية المقدّس/المدنّس. حيث نرى هذا الحضور في أبهى صوره الرومنسية، في ظاهرة انشقاق العسكريين وغيرهم (أو العودة عن الانشقاق). حيث تتجلّى هذه الظاهرة في إعادة تشكيلٍ لظاهرة الدعوة والتبشير، والهداية من الضلال، واعتناق الإيمان، والعتق من عذاب الكفر، وذلك في سَرْديةٍ عجيبةٍ وملحميةٍ وذات بُعْدٍ بطوليٍ تضحويٍ يختلط فيها التاريخي المقدّس بإيديولوجيا الحلم، ويتم فيها إسقاط تجربة الماضي على حاضرٍ أليم. وعلى مبدأ "يَجُبُّ ما قبله"، ينتقل شخصٌ ما في لحظة، رغم فساده ورشوته في الحاضر والماضي (وربما المستقبل)، من حيّزٍ إلى حيّزٍ جديد، من حيز "الآخر" الشرير إلى حيّزنا أي إلى حيّز الـ "النحن" المفعم بالخير. وتتفاعل هذه الصيغة بصورةٍ نَشِطةٍ مع صيغةٍ معكوسةٍ بدأها النظام حين حوّل عملية القتل إلى مصدرٍ للفخر والمباهاة والمجد الفارغ وصناعة النصر الموهوم. وعليه فالذي لا يعلن انشقاقه (أو الذي يعلن انشقاقه) فهو هدفٌ مشروعٌ ودمه مُباح وذلك تبعاً للحيّز الذي يتم يتعامل معه. تغفل مثل هذه النظرة الـمُغْرِقة في التعميم عن أن من حمل السلاح في صفوف المعارضة هم ضحايا، وأن الأغلبية ممن يخدم في جيش النظام هم ضحايا. كما تغفل عن أن النظام، وغيره من الأطراف الخارجية الداعمة له، أو الأطراف الخارجية التي تدّعي دعم "الشعب السوري"، تستخدم هؤلاء الضحايا، ممن حُمِّلُوا أو حَمَلُوا السلاح، ليكونوا ضحايا لبعضهم البعض، ووقوداً لمحرقة البقاء الموهوم في السلطة، ودمار الدولة، وشحن الـمُكوّنات السكانية الأهلية بكل مشاعر البغض والحقد والثأر.
كما يمكن تتبّع حضور عقلية المقدّس/المدنّس في الاحتقان الطائفي الذي وجد في العنف بيئةً خصبةً كي يترعرع. يستند هذا الاحتقان إلى تنوع الـمُكوّنات السكانية في سوريا، وإلى وجود حالةٍ من التقوقع وعدم التلاقي بين هذه المكونات كنتيجةٍ مباشرةٍ للاستبداد الذي اعتاد اللعب على التناقضات الأهلية. يضاف إلى ذلك إعلامٌ موجهٌ، وخطابٌ شائعٌ يستغل الاحتقان الطائفي، ويُلْقي عليه هالةً من القداسة، ويعيد ترتيبه في سياق حربٍ مقدسة. وهذا أسلوبٌ شائعٌ حيث يميل الخصم إلى شَيْطَنة خصمه ويحوّله إلى "آخر" مختلف على أساسٍ وجودي، خاصةً وأن التّمَوْضع السياسي ذي الميول العقلانية قد لا يكون كافياً لشحن الغرائز، ولا بد بالتالي من مكوّنٍ أكثر بدائية، ولاعقلانيةً، لاستنهاض الأفعال، وردات الأفعال، الأكثر عنفيةً وهمجية!
ولتغلغل عقلية المقدس/المدنس في مفاصل المشهد السوري الأليم تبعاتٌ وانعكاساتٌ تُغَيّب العدالة بطريقةٍ لا مباشرة. حيث يتم الحكم على الأشخاص عبر الانتماء البحت والدوغمائي والـمُطْلق إلى الحيّز، وليس عبر نقاء السيرة والسريرة والالتزام بالقيم والفضائل المجردة، وليس عبر أفعاله وتاريخه وكفاءاته الواعدة إلخ. هذا المزج التشويهي والمخيف بين عقلية المقدس/المدنس المتعالية، وبين الدنيوي السياسي الظاهري، يخلق حالةً فصاميةً تقوم بتحييدنا تلقائياً عن العالم الواقعي من حولنا، وسلخِنا من حركة التاريخ التي اعتدنا طيلةٍ قرون أن نكون خارجها. كما يسهم هذا المزج التشويهي في ترسيخ حالة الركود المستنقعي في الأفكار، وفي وضع مفاهيم الحريات الأساسية على الرفّ حتى إشعارٍ آخر، وفي دفع المجتمع إلى الدوران في حلقةٍ مفرغةٍ مشبعةٍ بقيم ما قبل الحداثة، تصبح فيها الانتفاضة صورةً مُسْتَنْسَخةً عمّن تثور عليه.
يُلقي كل ما سبق مسؤوليةً كبيرةً على كاهل "النخب المثقفة" التي يُفْترض أن تمارس دورها في انتزاع الصراع القائم من صيغته الوجودية الاستئصالية العنفية، وإعادته إلى صيغته السياسية والأخلاقية. ولا يمكن لهذا أن يتم دون ثورةٍ ثقافيةٍ تحدُّ من تفشّي عقلية المقدس/المدنس المحكومة بمنطق الكل أو اللاشيء، وجعلها محصورةً في سياقاتها العقائدية والإيمانية، وخلق عقليةٍ حداثيةٍ بديلةٍ تُقَارِب، بصِيَغٍ مستحدثة وخَلاقة، الواقع الوطني المعاش والمحكوم بشروط اللعبة السياسية.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي منذ حوالي العام، وبالضبط بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2012. كما تمكن قراءة المقال من موقع الصحيفة.



وفي يوم العيد شوقٌ إلى العيد


(أمل - للفنان عماد عبيد)

أشتاقُ إلى تكبيرات العيد في حلب. أشتاقُ إلى ذلك المسجد العتيق، ذي المئذنة الشامخة، وإلى خشب المنبر والمحراب.أشتاق إلى لحظةِ قربٍ من الجلال، لحظةِ أمانٍ للروح المرهقة. إلى لحظةِ خشوعٍ تُذْرَفُ فيها الدمعةُ في جوف اليقين. إلى قبعات الـمسنين، ودعاء الأمهات. إلى عناقٍ مع أهلي وأخوتي، وإلى قهوة الصباح وفطور الضُّحى. إلى رائحة العيد تعبق في أركان الشارع الوديع. إلى ضحكات الأطفال، يقفزون فرحاً بأحذيةٍ جديدة، ويرسمون ربيعاً محمولاً على أعناق الملائكة، على بيادر القمح، على كل ما هو جميلٌ في هذه الأرض.
أشتاقُ وأشتاقُ وأشتاقُ، لكن هل لذا الشوق الأليم من إجابة؟ ففي يوم العيد شوقٌ إلى العيد، شوقٌ إلى فرح العيد، وشوقٌ إلى معنى العيد؛ شوقٌ إلى كلِّ ما يجعل من العيد عيداً، ويجعل من العيد رمزاً إلى حياةٍ جديدة، ومبتدأً لفضلٍ من العطاء ومزيدٍ من الأمل.
أسأل نفسي وأعيد على نفسي السؤال، مُتَدَثِّراً وقَاءَ الرّيح الباردة، وأنا أمضي إلى عملي، تحت أجنحة الخريف الرمادية: هل لذا الشوق الأليم من إجابة؟ فهذا يومٌ آخر يمضي، ليسقط ورقةً من من روزنامة هذا العام. 
يومٌ آخر يمضي ليغدو، مع كلِّ ما فيه، قطعةً من الماضي، ونتفاً من ذكريات. أما الأمل فمعقودٌ في أن تكون ذكرياتٍ سعيدةً؛ عسى أن نلجأ إليها، كما أصنع الآن، كي نختبأ فيها حين تشتد الخطوب. 

عيدٌ جديدٌ يُقْبِلُ علينا، فكل عام وأنتم بخير.



عيدٌ جديدٌ يُقْبِلُ علينا، وشرائح واسعةٌ من السوريين مُشَتَّتَةٌ بين مشردٍ ونازحٍ ولاجئٍ وجريحٍ ومعتقلٍ وضحية. سوريون منشطرون بين قاتلٍ ومقتول، بين طالب ثأرٍ وطالب ثأر، بين من مات، وبين من يعيش موتاً بطيئاً تحت الحصار والتجويع والفقر والمرض، بين من ينزف دماً، وبين من يتاجر بالدم الذي ينزف.
عيدٌ جديدٌ يُقْبِلُ علينا، والعَبَثُ يَعِيثُ فساداً في أرضنا، والقصف والذبح المجاني غايةٌ في حدِّ ذاته، وكأن أهوال العامين الماضيين لم تُشْبِعْ تجار الدم والمزاودات، وعبيد شهوة السلطة ممن يَتَشَبَّثون بالكرسي أو يحرقون وطنهم وشعبهم من أجل البقاء عليه، أو الحصول عليه.
في سوريا كارثةٌ إنسانيةٌ ووطنيةٌ تسقط أمامها الخطابيات الجوفاء، وشعارات النجوم الإعلاميين، وأحاديث الانتصار. كل هذا لا يمكن أن يعادل بكاء يتيمٍ أو مشردٍ أو أمٍّ ثكلى.
وسط هذا الألم، يُقْبِلُ العيد علينا، فعسى أن يوقظ الضمائر النائمة، ويخمد أصوات الرصاص والمدافع. عسى أن يقصَّ على أسماعنا ملحمة الفداء، قصة الرمز الجليل، ذاك الذي خلّص الإنسان من قتل الإنسان: سيرةٌ قرآنيةٌ إبراهيميةٌ فيها من الموعظة والعمق والحكمة ما يدفع من يستوعبها إلى حقن كلِّ دمِّ قربةً إلى الله (بعيداً عن بهائمية من يلوِّث "الله أكبر" جهلاً وظلماً بعد أن يستند إلى مزيجٍ تافهٍ ومتهافتٍ من العنصرية والدُّونية والكِبَر).
يُقْبِلُ العيد علينا ليذكرنا أن في هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأن هذا الشعب يستحق الحياة، وأن الحياة مستمرةٌ رغم أنف القتلة والمجرمين.
كل عامٍ وأنتم بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك. أعاده الله علينا وعليكم وعلى بلادنا باليُمْن والخير.


ويستمر شلال الدم في بلدي


( وَدَّعَني طيرٌ وقال إلى بلادي أمضي - للفنانة يارا نجم)

خاطرةٌ كتبتها في أواخر عام 2012، أعيد نشرها بتصرّف:
 حَوّلوا شبابنا إلى ضحايا مزدوجة؛ للنظام المجرم الذي أذاقهم المرَّ والهوان، ولتجار الدم الذين صوّروا لهم الأمر وكأنه نزهة. ومع مرور الوقت أصبح السلاح والعنف هو القاعدة، وتحول مجرد الحديث بعقلانيةٍ لحقن الدم، في رأي السُذّج والمستهترين، إلى عمل معيبٍ ووقوفٍ مَوْهومٍ مع النظام.
الخراب يعمُّ البلد من أقصاها إلى أقصاها، ومعظم الناس تعيش في وضعٍ معيشيٍّ مُهينٍ ومُذِل. أما الاستعصاء العنفي فما يزال يراوح في المكان دون أدنى انفراجٍ، ليغيّر فقط من عدّاد الضحايا وعمق الخراب، ويتحول إلى مرتعٍ لتفريخ الجماعات المتطرفة وتكاثرها.
لن يكسر هذه الحلقة الدموية سوى تفاوضٌ يُنْهِي الألم ويحقق الآمال حتى لو كان ذلك تدريجياً، فأن تكسب رويداً رويداً خيرٌ من أن تخسر كل شيء، وقديماً قيل ما لا يُدركُ كُلُّه لا يُتْرَكُ كُلُّه. المهم في كلِّ هذا هو حفظ حق الحياة الذي استُبيح لدرجةٍ موغلةٍ في البهائمية والفظاعة، فالتفاوض وعلى كاهلنا 60 ألف ضحية أفضل بمليون مرة من التفاوض وعلى كاهلنا 600 ألف ضحية. أما كل تأخيرٍ وتلكّؤٍ فيعني أننا لم نتعلم بعد معنى الحس بالمسؤولية أو معنى الشعب والوطن، وأن الكارثة ستبقى مستمرةً تطحن بين رحاها أرواح الأبرياء.

الإنسان؛ ذلك الكائن القبيح والمتوحش!



(صورة من الدمار الحاصل في جبل بدرو في حلب في شباط 2013)

الإنسان كائنٌ فريدٌ من بين الكائنات. فهو الكائن الوحيد الذي يقتل لا ليأكل بل كي يستمتع بالقتل، هو الكائن الوحيد الذي يذبح فقط لأنه يختلف مع الآخر بالرأي. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتفنَّن في تعذيب بني جنسه، والكائن الوحيد الذي يعبد كرسي الحكم.
الإنسان كائنٌ قبيحٌ ومتوحش؛ قباحته كامنةٌ في أنه قادرٌ على أن يكون جميلاً (إن أراد)، وتَوَحُّشُه كامنٌ في أنه قادرٌ على أن يكون آدمياً (إن أراد)، إلا أنه يرفض كُلّاً من الجمال والآدمية، ويأبى إلا أن ينحدر في الحضيض، ويفاجئ هذه الأرض بنماذج جديدةٍ ومبتكرةٍ من الانحطاط والتفاهة والقرف.
خمسة آلاف عامٍ من عمر التاريخ المدوّن ولم يستطع هذا الكائن، المسمّى بالإنسان، أن يبتكر أدواتٍ يحل بها خلافاته دون اللجوء إلى سفك الدم، دون اللجوء إلى السلاح، دون اللجوء إلى التهجير والتشريد والاغتصاب والتنكيل.
خمسة آلاف عامٍ من الفضائح.
خمسة آلاف عامٍ من العار.
وكي نتخيل حجم الكارثة، فقط دعونا نفترض جَدَلاً بأن مخلوقاتٍ فضائيةً متطورةً قد زارتْ كوكبنا الـمُتْخَم بالتلوث والفضلات، وأكوام الجثث، وآهات المعذبين، وأصوات الجوعى، وظلم أصحاب السطوة، وطمع الانتهازيين، و و و ... بالله عليكم هل يمكن لتلك المخلوقات أن تصدِّقَ، بعد كلِّ هذه الفظائع التي ما تزال تتكرر، أن الإنسان أكثر رقياً من قطعان الضباع والجرذان؟ 

حول مشاركة الطلبة العرب في العمل السياسي


الفيديو المرفق هنا من برنامج نقطة حوار على شاشة بي بي سي العربية، حيث شاركتُ في مناظرةٍ حول "انخراط الطلبة العرب في العمل السياسي". 


وقد دافعتُ، من وجهة نظري، عن النشاط السياسي للطلبة منطلقاً من أن السياسة هي اشتغالٌ في الشأن العام في سبيل الصالح العام، وليست محصورةً فقط، كما يعتقد الكثيرون، في قضايا الحكم والصراع على السلطة أو في المصالح الحزبوية الضيقة. مع الإشارة إلى أن حرمان الحياة السياسية من مشاركة الطلبة يكرّس حالةً من العزل السلبي بين الناس، كما أنه يحرم مجتمعاتنا من رأسمالٍ بشريٍّ مهم. الصورة المغلوطة عن السياسة في منطقتنا تجعل كثيراً من أصحاب النوايا الحسنة والرؤى العميقة ينفضُّون عن المشاركة بها، ما يفسح المجال بالتالي لأصحاب النفوس الضعيفة والمتسلّقين كي يملؤوا الفراغ الحاصل ويزيدوا من تشويه وإفساد العمل السياسي. وهكذا ندخل في حلقةٍ مفرغةٍ من ازدراء السياسة كنت قد تعرضتُ لها في مقالٍ سابقٍ منشورٍ في صحيفة الحياة بعنوان: في تشويه الـمُشَوَّه: السياسة في المشهد السوري.