على هامش الألم


كنتُ وما زلتُ أكرر موقفي وموقف التيار الذي أنتمي إليه بأن أي "حل" في سوريا هو حل سياسي حكماً، وأن مثل هذا الحل لن يهبط من السماء، ولن يصنعه لنا الآخرون، بل يحتاج إرادةً سوريةً بالحد الأدنى لدى من يحتل المنابر الإعلامية وغيرها ... وأن أي تعويل على السلاح هو فقط زيادة عبثية ومجانية في المقتلة والخراب دون أن تنعكس إيجاباً على الشعب والوطن ... وأن أي تعويل على ما يسمى "أصدقاء سوريا" ليس سوى كذبةٍ سمجةٍ لا يصدقها سوى السُّذج أو الأغبياء أو اللصوص ... وأن الشأن السوري يحتاج حنكةً في قراءة المتغيرات الإقليمية السريعة خاصة مع إشباع الساحة بالتطرف الإسلاموي (وهو بالنسبة "لأصدقاء سوريا" أولوية تعلو على سوريا وشعبها). لكن كثيراً من "المعارضين الثوار" كانوا مشغولين بالتباكي والندب على الضحايا الذين أسهموا في جعلهم ضحايا. كانوا مشغولين في تخوين كل صوت عاقل. كانوا مشغولين في حقن المكلومين بجرعاتٍ زائدةٍ من الحقد والغضب (وكأن ما حلَّ بهم لا يكفيهم). كانوا مشغولين في تشكيل شبكات من التسلق والسرقة والعبث وشراء الذمم ... كانوا مشغولين بكل شيءٍ إلا الوطن ... فهم، بمعظم أطيافهم السياسية والمسلحة، مجرد صورةٍ مرآتيةٍ للنظام المنحط الذي انتفضنا في وجهه ...

الآن وزير خارجية إحدى أهم الدول الإقليمية التي رَعَتْ أطيافاً محددة من المعارضة التلفيزيونية يقول إن "الحل في سوريا سياسي" ... الآن ستبدأ الجوقة التي كانت تشتم وتخوّن السوريين الذين قالوا هذا الكلام قبل هذا الخراب العميم، الآن ستبدأ هذه الجوقة ذاتها بتمسيح الجوخ لأولياء النعمة ... نوع من النفاق وتهافت الحس الوطني (باعتبار أن كلمة وطنجي أصبحت شتيمة في عرف هؤلاء).

فعلاً كما يقال مزمار الحي لا يطرب، والجموع القطيعية ومن يقودها من "رعاع ربطات العنق والفنادق" لا يملكون سوى ذاكرة مثقوبة كالسمك، ويفتقدون أبسط شروط المحاكمة في أمور الوطن والناس ... لكن تذكروا أن التاريخ يسجل ... وأن سوريا تسجل ... وأنكم ستدخلون مزبلة هذا التاريخ مع هذا النظام المستبد المنحط، حتى لو جلستم مناصفةً على كراسي الحكم أنتم وميليشياتكم بكل مسمياتها ...

عرّابو السلاح وفصام التحرير والتطهير

صورة أليمة من مجازر حلب المرتكبة من قِبَل قوات النظام ببراميل الديناميت

تمنيتُ لو أن المنافقين من عرّابي سلاح التحرير أو التطهير كانوا، للحظاتٍ، متصالحين مع أنفسهم: فدعوات التحرير والتطهير بهذه الطرق الهمجية والوحشية، ووسط تجمعات المدنيين، تعني حتماً أن أرواحاً بريئةً ستُحصد بالمجان. لسان حال عرّابي السلاح: هذه حربٌ، وللحرب ضريبةٌ يجب أن تدفع (هكذا)! وعليه فتشجيع التحرير والتطهير هو موافقةٌ ضمنيةٌ على هذه الضريبة: مُجَرَّد خسائر بشرية خدمةً لضرورات المعركة؛ أشلاءٌ ممزقة، أطرافٌ مُقَطَّعَة، مخيمات اللجوء، قوارب الموت، تشرد ونزوح، خراب عميم، جيلٌ ضائع.
طالما تدركون ضمنياً كل هذا، فلماذا بربكم التباكي على الدماء يا من كنتم، سبباً مباشر أو غير مباشر، في سفك الدماء؟ تَبَاكِيكُم على الضحايا مقرفٌ، وندبكم أجوف، ودموعكم كاذبة، ومواقفكم مزيجٌ من الحقد والفصام. المراهقة والحماقة داءٌ مدمرٌ حين تعلو فوق صوت العقل، حين تنطق في شأن الناس، وحين تعطي رأياً فاسداً في مصير الوطن.
هل أوقف السلاح المقتلة؟ هل حقن السلاح الدماء؟ هل خفّض السلاح عدد الضحايا؟ هل بنى السلاح الوطن؟ هل خلصنا من الفساد والفقر والتخلف؟ هل رفع مكانة سوريا؟ هل أعاد للإنسان السوري مكانته التي يستحقها؟ هل أسقط السلاح المؤامرة الكونية أو أسقط النظام؟ ما هي هذه السلطة التي تستحق كل هذا؟ ما هي هذه الثورة التي تستحق كل هذا؟
اصمتوا، إلى أن تمتلكوا الشجاعة للإجابة عن هذه الأسئلة. اصمتوا، ودعوا الضحايا من المدنيين البسطاء والفقراء يرحلون عنا. اصمتوا. ولا تلوثوا ذكراهم بصراخكم الكريه، فمن القباحة والنفاق نَدْبُ ضحيةٍ أسهمتم في ذبحها.  

في استعصاء الكارثة السورية والبحث عن حلول - مادة منشورة في مركز البناء الإخباري




نشرت هذه المادة في مركز البناء الإخباري
وهي معدلة عن مقالٍ منشورٍ سابقاً بتاريخ 8 شباط 2013

لقراءة المادة في موقع البناء الإخباري على الفيسبوك يرجى الضغط هنا

بات واضحاً، بعد ما يقرب من ثلاث سنواتٍ من الصراع، أنه لا يوجد حلٌّ سحريٌّ للكارثة التي تجتاح سوريا. فالتعويل على استنساخ سيناريوهاتٍ طُبِّقَتْ في بلدانٍ مجاورة، أو استدعاء التدخلات العسكرية المباشرةـ، أو ضخ السلاح والمقاتلين من كل الأطراف لم يكن له أيُّ أثرٍ إيجابيٍّ في تقريب السوريين من الخلاص، أو إنهاء الاستبداد والفساد. بل على العكس فقد خسرت سورية ما يزيد على مئة ألف ضحية، مع تهجير وتشريد الملايين، وتعميم الخراب والدمار، وإشعال فتيل الاقتتال الأهلي والانشطار المجتمعي في طول البلاد وعرضها. 
لا يمكن للحل في سوريا أن يكون وصفةً جاهزةً مؤلفةً من بنودٍ يُتَّفَقُ على تنفيذها خلال بضعة شهور، بل هو عمليةٌ مستمرةٌ ومجهدة تستند على أساسٍ سياسيٍّ تفاوضي. ومع التسليم بعدم وجود حلولٍ كاملةٍ وخاليةٍ من العيوب، فإن المعيار يبقى في قدرة "الحل" على: الانطلاق من قراءةٍ مُعَمّقَةٍ للمشهد المتغير، وتحديد الغايات التي يجب تحقيقها، مع مراعاة خصوصية الوضع السوري، والتخفيف قدر الإمكان من الكلفة البشرية والمادية (أو ما بقي منها).
حتى هذه اللحظة يبدو أن شروط المخرج السياسي التفاوضي غير محققة. إذ يمتلئ المشهد السوري بأطرافٍ عنفية (على رأسها السلطة القائمة والجماعات المتطرفة) تؤمن بالسلاح كمخرجٍ وحيدٍ من الكارثة، دون أن تدرك أن ذلك لن يجلب سوى مزيداً من الاستنزاف المؤلم والمـجّاني، مع تهديدٍ حقيقيٍّ بانهيار الدولة وتفتّت البلاد. ويتمازج هذا الارتهان الأعمى للعنف مع غياب النية في اجتراح حلولٍ بديلةٍ، ليعكس مراهقةً سياسيةً أليمةً يدفع ثمنها السوريون دماً ودماراً.
يضاف إلى ذلك فإن العملية التفاوضية التي يكثر الحديث عنها ستصطدم، عاجلاً أم آجلاً، بعوائق تقنيةٍ يأتي على رأسها عدم وجود أطرافٍ واضحة البنية وقادرةٍ على الدخول في أي تفاوضٍ مُفْتَرَض. ولهذا فمن الصعب التنبؤ بتفاصيل التفاوض الذي سيحتاج وقتاً لتحديد الأطراف الفاعلة والفاعلة وأجنداتها. لكن تُمْكِنُ الإشارة إلى أن أي "حلٍّ" تفاوضيٍ يجب أن يُراعي، قدر الإمكان، الأساسيات التالية:
-         التوجه إلى السوريين كافة كشركاء في وطنٍ واحدٍ سواءً كانوا موالاةً أو معارضةً أو صامتين. فالتوجه إلى شريحةٍ من السوريين على حساب شرائح أخرى، أو ترسيخ صيغة "غالبٍ ومغلوبٍ" بين المكونات السكانية السورية، هو إقصاءٌ وتحييدٌ وانكسارٌ لقسمٍ من "المجتمع السوري" (لا نتحدث هنا عن السلطة).
-         التوازن بين السيادة واللاقطبية: فأي ارتهانٍ لقطبٍ دوليٍ معينٍ يعني مباشرةً تشنج القطب الدولي الآخر. ولهذا يجب أن تتوفر جبهةٌ ناضجةٌ سياسياً قادرةٌ على فرضِ احترامها والتعامل مع مختلف الأقطاب دون وصايةٍ أو ارتهانٍ أو عداوة.
-         القدرة على تحقيق توافقٍ دوليٍ على ظروف الحل: يحتاج ذلك إرادةً سوريةً بالحد الأدنى، ويشمل ضغوطاتٍ حقيقيةً لوقف العنف (تدريجياً ومناطقياً)، مع ضماناتٍ ووساطاتٍ دولية، وغيرها.
التفاوض لا يهدف إلى مُجَرَّد التفاوض، بل إلى تغييرٍ جذريٍ في النظام السياسي: ويشمل هذا موقع رئاسة الجمهورية، وإعادة هيكلة القوى الأمنية، والدستور، والمصالحة الوطنية، وتشكيل حكومةٍ كاملة الصلاحيات إلخ.
بكل أسف فقد دخلت سوريا في حلقةٍ مفرغة: استمرار الكارثة يبعدنا عن توفير الشروط المذكورة أعلاه، وتغييب هذه الشروط يسمح للكارثة بالاستمرار. وهذا ما يجعل من احتمالات الخروج محكومةً بدعمٍ إيجابيٍّ من الدول الإقليمية في ظلِّ توافقٍ دوليٍّ محكومٍ بالمصلحة والانتهازية الدولية. أخيراً، لا داعي للتذكير بأن مثل هذا التوافق، إن تحقّق، لن يكون دون كلفةٍ وتبعاتٍ ستدفعها سوريا على مدى عقودٍ قادمة سنقضيها في "إعادة إعمار" ما خربناه، ومحاولة رأب الصدوع التي باتت تقسم المجتمع السوري الهش أصلاً.  

لقراءة المادة من موقع مركز البناء الإخباري على الفيسبوك يرجى الضغط هنا



السلاح: وَثَنٌ جاثمٌ على جماجم السوريين - مقالٌ منشورٌ في صحيفة الحياة




لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا
جنودٌ يسجدون جماعةً على التراب، سواعدُ تحمل الرشاشات والسيوف، أَعْلامٌ بألوانٍ شَتّى ترفرف في ساحات الوغى، شاباتٌ يتباهَيْن بالتقاط الصور التذكارية مع خُوَذِ العسكر والدبابات: هذا ما يعرضه الإعلام الذي يغطّي الأثير السوري، الرسمي وغير الرسمي، الموالي والمعارض. يمتزج هذا العرض مع صيحات الله أكبر واستجداء الرموز الدينية، في محاولةٍ هذيانيةٍ لإضفاء قداسةٍ على العنف، في سبيل الوصول إلى شرعنةٍ لهذا العنف؛ علّ ذلك يزيل عنه نجاسة الجريمة ودنس الكبائر.

يَضُجُّ المشهد السوري الحالي، بصرياً وسمعياً، بجرعةٍ عاليةٍ من البروباغندا العنفية التي تُؤَدْلِجُ السلاح، وتقدمه كوسيلةٍ وحيدةٍ بلا بدائل، كضمانةٍ حصريةٍ للأمل، وكبوصلةٍ تدلنا على الحلم المنشود. لم تكن البروباغندا العنفية، على مدى عقودٍ من الحكم الاستبدادي، غريبةً عن المشهد السوري. لكن، مع اندلاع الصراع العنفي الحالي، وصلتْ هذه الروباغندا إلى مستوياتٍ حَوَّلَتْ معها العنف إلى هدفٍ عبثيٍّ قائمٍ بذاته، وجعلتْ من السلاح وَثَناً يجثم على جماجم السوريين، ومرجعيةً مطلقةً تحدِّد الفرز والإقصاء وسفك الدم. فقد غَدَتْ عبادة السلاح/الوثن طقساً يحدِّد الاصطفاف، ويحدِّد عمق الولاء لهذا الاصطفاف (مع النظام أو الثورة)، كما لم يعد تأييد القتل كافياً كي تكتمل فروض الطاعة للسلاح/الوثن المتعطش للدم: لا بد من تفريغ القتل من كونه جريمةً، وتحويله إلى حدثٍ سعيدٍ في سياق جنونٍ جماعي، لا بد أن نعيش البهجة/النشوة بارتكاب القتل!
لهذه البروباغندا العنفية مستلزماتٌ يُوَظِّفُها عرّابو السلاح من كل الأطراف: الصوت العالي المشفوع بالضرب على الطاولة، الحديث عن الدعس والحديد والنار، السخرية من كل صوتٍ يدعو لحقن الدم، تأجيج مشاعر الكراهية والثأر، التحليلات العسكرية ذات الخيال المجنح والمثير للشفقة، التبجُّح المستمر بتحقيق الانتصارات الميدانية، والضجيج الإعلامي المحيط بكل ما سبق؛ ممارساتٌ تقدِّم في مجموعها برهاناً على فشل السلاح في تحقيق ما أُريد له أن يحقِّق. ألا يعتبر ارتفاع منسوب البروباغندا/الأدلجة دليلاً على استعصاء الحلم؟ وعلى عجزه عن التحقق؟ ألا يتخلّى الحلم حينها عن كونه حلماً؟ هنا يُمْسَخُ الحلم، الساعي إلى رفاهية الإنسان، في كابوسٍ يغتال هذه الرفاهية ويهمِّشُ الإنسان. يحتجب الكابوس، كي يستمر، خلف قناعٍ سميكٍ من الكذب الـمَسْبُوك في مصطلحاتٍ خطابيةٍ كبرى (وطن، ممانعة، مقاومة، ثورة، شعب، جيش إلخ)؛ لا يجمع هذه المصطلحات عملياً سوى استعباد الإنسان، واستخدامه كمجرد شيءٍ، خدمةً للكابوس.
قد تكون القناعة الـمُضْمَرة لدى كل الأطراف بفشل الخيار العنفي، وعدم قدرتها على تخيُّل أي خياراتٍ أخرى، من الأسباب التي تدفع إلى عدم الاعتراف العلني بذلك الفشل، ما يؤدي إلى مزيدٍ من التدهور في كارثةٍ مصبوغةٍ بالدماء. نظرةٌ سريعةٌ على الإحصائيات المتراكمة كفيلةٌ بتوضيح عمق الكارثة وفظاعتها. فبين منتصف آذار 2011 وبداية آب 2011، أي في الفترة التي كانت ممارسة العنف مقتصرةً عموماً على النظام، كان هناك 1668 ضحية بمعدل 374 ضحية شهرياً. وفي المرحلة الأولى من العسكرة بين آب 2011 ونهاية حزيران 2012 (الذي شهد انعقاد جنيف1) كان عدد الضحايا 12930، أي 1175 ضحية في الشهر. أما في المرحلة الثانية من العسكرة، والتي كانت بين تموز 2012 وحتى تاريخ إرسال هذا المقال للنشر، فقد فقدت سوريا 65713 ضحية، أي أكثر من 80% من الضحايا السوريين بمعدل 3865 ضحية شهرياً.
لا تشمل هذه الأرقام المأخوذة من مركز توثيق الانتهاكات (وهو من المصادر الـمُتَحَفِّظَة والدقيقة نسبياً في جمع المعلومات) آلاف الأجانب الذين يتوافدون كي يدعموا الأطراف العنفية تحت مسمّياتٍ مختلفة. أما فيما يتعلق بالضحايا السوريين المحسوبين على النظام فقد أورد مركز توثيق الانتهاكات أسماء 11742 ضحية. وعلى خلاف ذلك يذكر ديفيد كول، في مقالٍ عن سوريا نشرته مجلة نيويورك لمراجعة للكتب في الذكرى الخمسين لتأسيسها، يذكر إحصائيةً، بالاعتماد على المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن "تصنيف" الضحايا السوريين الذين سقطوا خلال الصراع العنفي في سوريا: حيث يشكل السوريون المحسوبون على النظام (جيش نظامي وميليشيات غير نظامية) 41%، في حين تشكل المعارضة السورية المسلحة 20%، والمدنيون السوريون 39% من مجموع الضحايا الذين تجاوزوا 115000 حتى خريف 2013.
مرعبةٌ هي هذه الأرقام الـمُشْبَعَةُ برائحة الموت، لكنها أضعف من أن تملك القدرة على دفع عرّابي السلاح إلى مراجعة مواقفهم وتبريراتهم (مع أن تفسير الميل الفظيع نحو ممارسة العنف يحتاج دراسةً نفسيةً وثقافيةً معمّقة، تتجاوز التبريرات السطحية التي اعتاد عليها صنّاع الخطاب السائد في النظام والمعارضة). وتأتي الوقائع على الأرض، لمن يَوَدُّ أن يراها دون تحيّزٍ أيديولوجي، لتعرّي قباحة المشهد: علاقاتٌ نفعيةٌ بين المسلّح والسلاح وتاجر السلاح، تواطؤٌ على استمرار الأزمة والـمَقْتَلَة، تكاثرٌ للتجمعات العنفية المحسوبة على النظام والمعارضة، فتح البلاد أمام المقاتلين الأجانب والمتطرفين من كل الأطراف، مع ما يفرزه كل ذلك من انشطاراتٍ في المجتمع الهش، وهدرٍ ودمارٍ وخسائر. ولهذا يبدو أن المركز السوري لبحوث السياسات لم يجانب الصواب حين اختار عبارة "حرب على التنمية" عنواناً لتقريره الأخير حول تطورات الأزمة.
أما على المستوى "الثوري" فقد أسهم السلاح في تهميش الحقوق في معادلة الصراع: ففي سياق العنف المجنون لا تكون الغلبة عادةً لصاحب الحق، بل للأقوى تسليحاً وسطوة. يضاف إلى ذلك دفع التطرف إلى واجهة الحدث والاهتمام الدولي، باعتبار أن محاربة التطرف له الأولوية على حساب الحراك الشعبي.
أخيراً، قد يكون هجاء العنف مدعاةً لسخرية أمراء الحرب وعرّابي السلاح ومن يتبعهم في النظام والمعارضة، لكن من المؤكد أن استمرار هذا العنف، وعدم السعي نحو وقفه، وتخوين صوت العقل وإرادة الحياة، سيجعل من النماذج الدموية التي شهدها التاريخ القريب (لبنان، العراق، يوغسلافيا، الكونغو إلخ) نزهةً قبالة ما يحدث وسيحدث في سوريا. وبعيداً عن كل المخاوف والتحليلات، تبرز حقيقةٌ أليمةٌ؛ حقيقةٌ ندركها، مع أننا مولعون بالكذب على أنفسنا كي لا نصدقها: في هذه الأرض، وفي ظل هذه الأزمة العنفية، كلُّ السوريين خاسرون. وحتى إشعارٍ آخر: لا انتصار في سوريا سوى انتصار الموت.

لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا




المعارضة السورية وانتظار "غودو" المُخَلِّص - مقالٌ منشورٌ في صحيفة القدس العربي




صورة تمثل شخصيتي إستراغون وفالديمير في انتظار غودو. 
الصورة مأخوذة من مهرجان ستانفورد - سيلا فون تيدرمان

لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا

مؤلمٌ هو حال "نخب" المعارضة السورية التي يُفْترض بها أن تقدم نموذجاً يتجاوز المستبد، أخلاقياً وسياسياً، وأن تطرح بديلاً قِيَمِياً وطنياً جامعاً وقادراً على الحفاظ على ما تبقى من الدولة والوطن، وترميم واستعادة ما هشّمه وصادره النظام طيلة عقود.
لكن هذه "النخب" المعارضة لا ترى بأساً في الارتهان إلى شعبويةٍ مُجَوّفة، والسباحة مع الـمِزاج العام، والحصول على تصفيق الجماهير، بعد إغراقها بالأمل والوعود، دون اعتبارٍ لما سيُخَلِّفُه كلُّ ذلك من أثرٍ سلبي، ودون أدنى محاولةٍ لتطوير ثقافةٍ سياسيةٍ تأخذ ظروف الواقع وأدواته المتاحة في الاعتبار. فقد انحصرتْ مهمة تلك "النخب" عموماً في الظهور الإعلامي من خارج البلاد، حتى صار حضورها مألوفاً ومكرراً: "معارضٌ سياسيٌ أو عسكريٌّ أو ميداني" يصرخ على محطةٍ فضائيةٍ وهو يتوعد، ويشْتُم، ويكرّر خطاباً يتَمَحْوَر حول عرضٍ مسرحيٍ ومُهِينٍ لعدد الشهداء. يُرَوِّجُ هذا الخطاب النَّدْبي ويتكاملُ، ومنذ المراحل المبكرة للانتفاضة، مع منطق الاستجداء و"انتظار الـمُخَلِّص"؛ علّه يأتي، علّه يفعل، علّه يبادر بالنيابة عنّا، وعلّه يصنع الخلاص لنا، ويعلنه على مسامعنا، نحن السوريين، الذين يُفْتَرَضُ فينا أن نكون أصحاب المصلحة في هذا الخلاص.
من الواضح أن هذه "النخب" المعارضة، بترويجها لمنطق الاستجداء و"انتظار الـمُخَلِّص"، ليست مصابةً فقط بعطالةٍ سياسيةٍ تمنعها من ابتداع الحلول، بل تعوزها النية للتفكير بمثل هذه الحلول أصلاً. فالـمُنْتَظِر مُشْبَعٌ قَهْراً بالروح السلبية، غيرُ حرٍّ، وغيرُ قادرٍ على إطلاق المبادرات، أو الدخول في مواجهاتٍ مباشرةٍ، أو تقديم تنازلاتٍ ذكيةٍ ومرحليةٍ مقابل الوصول إلى الغايات الكبرى. الـمُنْتَظِرُ مُعْتَمِدٌ على الـمُخَلِّص الـمُنْتَظَر، ومُجَرّدٌ من القدرة على الفعل السياسي أو غيره. وهذا ما يضع "النخب" الـمُنْتَظِرَة في موقع "نُخَبَ الاستجداء" التي لا مجال لمقارنتها مع "نخب السياسة". وهذه النقطة الأخيرة، أي الندرة الشديد في السّاسة ورجالات الدولة في سوريا، ملمحٌ من ملامح التصَحُّر السياسي المزمن الذي يجثم على كاهل البلاد، وسببٌ رئيسٌ للوصول إلى الحضيض الذي نعيشه دون أن نتمكن، نحن السوريين، حتى الآن من تجاوزه في ضوء التدهور السريع للأحداث المأسوية.
من البدهي أن يحمل منطق "انتظار الـمُخَلِّص"، في ظل النظام العالمي القائم على علاقات المصلحة والانتهازية، جَدَلاً قِيَمِياً وأخلاقياً حول الكلفة والتبعات المترتبة. لكن بعيداً عن هذا الجدل، فإذا تناولنا منطق "انتظار الـمُخَلِّص" من زاويةٍ عَمَلِيةٍ وبراغماتيةٍ بحْتةٍ، فإن هذا المنطق سيبقى بائساً وعاجزاً عن التحقق، ومحكوماً بالفشل. فهل يمكن للدول التي لعِبَتْ دور المتفرج السلبي (أو الـمُخَرِّب)، في صراعٍ مستمرٍ على مدى ما يقارب ثلاث سنين، أن تلعب دور "الـمُخَلِّص" الإيجابي الحريص على "الشعب"؟ الجواب في رأيي سيكون بالنفي، والدلائل على ذلك واضحةٌ وكثيرة، ولعل آخرها فقاعة الضربة الأمريكية المزعومة، ووعود "أصدقاء" سوريا التي بقيتْ إما حبراً على ورق، أو تحولّتْ إلى عاملٍ لتحقيق توازنٍ هشٍّ مع النظام (ومن يدعم النظام)، مع تأجيج نار الصراع العنفي والحرص على عدم تحقيق أي حسم حقيقي.
من سوء حظ السوريين أنهم قد باتوا محاصرين بين نظامٍ مستبدٍ قاتل، ومعارضةٍ باهتة تنافس النظام استبدادياً، وعنفٍ منفلت العقال، وأوهام "المـُخَلِّصٍ" التي يصدقها من يودُّ أن ينفصل عن الواقع المليء بالقباحة. ويطرح ما سبق تساؤلاتٍ كبرى عن فُرَصِ الخروج من الكارثة التي تجتاح سوريا، ناهيكم عن احتمالات الترميم والبناء.
ولا يكفي في هذا السياق أن نَتَغَنّى بالأمل. فمع الإقرار بأن الأمل موجودٌ دائماً، إلا أن أحد شروط تحويله إلى حقيقةٍ مرتبطٌ بالتخلّي عن منطق "انتظار الـمُخَلِّص"، وتبنّي مقاربةٍ إيجابيةٍ وفاعلةٍ بالاعتماد على الذات وفق ظروف الواقع وقواعد "فن الممكن"، حتى لو أدّى ذلك إلى تحقيق التغيير في صورةٍ تدريجية، فالعبرة في خواتيم الأمور. عدا ذلك فإن الساحة السورية ستغدو مثالاً أليماً لما عبّر عنه المسرحي الإيرلندي "صموئيل بيكيت"، عام 1953، في مسرحيته الشهيرة "انتظار غودو": "... لا أحد يأتي ... الوضع مقرف! ...". هذا هو حال المشهد السوري إنْ بقيتْ روح المبادرة على مستوى النخب المعارضة مكبوتةً حتى إشعارٍ آخر، وإنْ بقي مستقبل الوطن مرتهناً لـمُخَلِّصٍّ ما، يأتينا يوماً ما من مكانٍ ما: حينها لا تغيير في الأفق سوى في عدّاد الضحايا الذين يرحلون عنا كل يوم، وفي حجم الخراب والتدهور الذي يستنزفنا ويُبْقِينا على هامش التاريخ.  

لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا

حين يتحكم البعير بمستقبل الوطن



في كل شعوب العالم توجد نسبةٌ من المواطنين تسير على خطا البعير. قد تكون نسبة هذه الشريحة البهائمية في منطقتنا أعلى من المعدل المتعارف عليه بشرياً وذلك لأسبابٍ عديدة: منها وجود الأنظمة الدكتاتورية التي ساهمت في نشر التخلف والجهل والتقوقع وغيرها من الأمراض الاجتماعية المزمنة والمستفحلة. ومع أن هذه الشريحة، التي لا تملك أدنى حسٍّ بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية، لا تشمل كامل المجتمع، إلا أنها الأعنف والأعلى صوتاً بحكم همجيتها وزعرنتها وعنفها (ملاحظة: هذه الشريحة البهائمية مكونة من مختلف الطوائف والانتماءات المناطقية والاجتماعية وغيرها)
لقد عاثت أطيافٌ من هذه الشريحة البهائمية فساداً في البلاد بعد استيلاء "المافيا القديمة" على السلطة منذ عقود. لكن الوضع لم يتغير الآن. كل ما حدث هو أن "المافيا الجديدة" تعيش طور تشكلها وتحاول أخذ نصيبها مما فاتها! وهكذا بدأنا نرى في صفوف المعارضين كثيراً من اللاهثين بجنونٍ وراء شهوة السلطة والانتقام، أولئك الذين لا يملكون (وفي صورةٍ مشابهة تماماً للمافيا القديمة) أي رؤية أو استراتيجيا: حفنةٌ من الجهلة والمتسلقين والهمج الرعاع ممن يبعق وهو يتشدق بالحديث عن مصير الوطن، ليرسم مصير ملايين السوريين بالقهر والإرهاب وسفك الدماء، وبسلاحه المرتهن لكل شيء عدا الوطن، وبتطرفه ورجعيته وعشوائيته البائسة.
أخيراً لا بد من تسجيل ملاحظةٍ هامة: الرعاع والبعير الذين يشكلون في مجموعهم هذه الشريحة البهائمية ليسوا كما يتصور البعض بثيابٍ رثةٍ وطبقةٍ مسحوقة إلخ. فالرعاع انتماءٌ يتحدد قبل كل شيء بالخواء الأخلاقي والقذارة الروحية – المشهد السوري مثلاً مشهدٌ ممتلئٌ حتى التخمة برعاعٍ يرتدون ربطات العنق ويتحدثون من عواصم أوروبية وعربية إضافةً طبعاً إلى رعاع السلطة والنظام ومن هم على شاكلتهم ممن كانوا أصل البلاء على مدى عقود من الانغلاق والتدهور.


الفكر كضحية للنخب التقليدية: من مواقف الرفض إلى مهادنة الحداثة في الغرب - مقال منشور في ملحق نوافذ في جريدة المستقبل


 


(جزءٌ مُكَبَّرٌ من لوحة "تتويج الإمبراطور نابليون والإمبراطورة جوزفين في كاتدرائية نوتردام في باريس في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1804م"، انتهى العمل باللوحة من قِبَل جاك-لويس دافيد عام 1807م. متحف اللوفر)


شَهِدَ عام 1804 تتويج نابليون بونابرت (ت. 1821م) كإمبراطورٍ لفرنسا. وكما تقول الرواية المشهورة فقد رفض نابليون أن يقوم البابا "بيوس السابع" (ت. 1823م) بمراسم التتويج المتعارف عليها، بل انتزع التاج ليعمد إلى تتويج نفسه بنفسه. تُمَثِّلُ هذه اللحظة الرمزية، التي تم تخليدها فنياً في لوحة جاك-لويس دافيد (ت. 1825م)، انفصالاً بين النخبة السلطوية المتمثلة بالإمبراطور وبين النخبة الدينية المتمثلة، في هذه الحالة، برأس الكنيسة الكاثوليكية؛ لحظة انفصالٍ تحمل في ثناياها انزياحاً في مفهوم السيادة، وفي ممارسة مفهوم السيادة التي بدأتْ بالتشكل في صورةٍ مركزيةٍ في إطار ما سيعرف فيما بعد بالدولة الحديثة: كانعكاسٍ لروحٍ حداثيةٍ جديدةٍ، وفي سياق مَوْجَةٍ من المدِّ العلماني الفرنسي خصوصاً، والأوروبي عموماً، الذي كان قد انطلق قُبَيْلَ وأثناء وبُعَيْدَ الثورة الفرنسية. بالإضافة إلى ذلك فقد حملت هذه اللحظة مصالحةً حَذِرَةً وسطحيةً مع الماضي (كما يظهر بوضوح في نمط الملابس، واستبداد الإمبراطور، وفكرة التتويج بِحَدِّ ذاتها)، لتُشَكِّلَ امتداداً لاتفاقية الكونكوردا عام 1801م، تلك الاتفاقية التي نظّمت وفصّلت العلاقة بين الدولة والكنيسة، أو بين المنظومة السياسية والمنظومة الدينية، ليترسّخ هذا الانفصال في مرحلةٍ لاحقةٍ في التشريعات البونابرتية والقوانين المدنية والعامة.
لم تكن المعاني التي حملتها هذه اللحظة فريدةً من نوعها، بل هي أثرٌ من آثار الحداثة التي كانت تكتسح أوروبا الغربية وتفرض تبدّلاً في مواقف "النخب التقليدية": من رفض الفكر الحداثي إلى عقد مُهَادَنَةٍ معه. فعلى خلاف التحالف الوثيق على مدى التاريخ الـمُدَوَّن، مَالَتْ بعض "النخب السلطوية" إلى دعم بعض "النخب الفكرية" وتبنّي الدفاع عن الفكر الحداثي كشعارٍ مُعْلَنٍ لها، حتى لو أدّى ذلك إلى تخلخلٍ في تحالفاتها مع باقي أنماط "النخب التقليدية".
وكمثالٍ على هذا التخلخل يمكن ذكر النضال المرير في سبيل تحرير العبيد وإلغاء الرِّق؛ هذا النضال الذي روَّجتْ ونظَّرَتْ له كثيرٌ من "النخب الفكرية" في عصر التنوير كقطيعةٍ مع المنظومة القديمة (وانضم إليها بالمناسبة شريحةٌ من "النخب الدينية" من أتباع الكنيسة الإنجيلية). ومع أن هذه الدعوات قد نالتْ حظوةً عند بعض "النخب السلطوية"، إلا أنها جابهتْ استهجانَ كثيرٍ من "النخب الدينية" المتعصّبة و"النخب الأهلية" و"النخب ذات الثروة" من تجار النخاسة وغيرهم من المستفيدين من تجارة العبيد، ما أفْضى إلى صراعٍ طويلٍ بين مناصري ورافضي إلغاء الرق؛ صراعٌ انزلق، في أمريكا الشمالية على سبيل المثال، إلى حربٍ أهليةٍ طاحنةٍ حصدتْ مئات الآلاف من الأرواح. وهكذا أفْضَتِ الـمُهَادَنَةُ التي عقدتها "النخب السلطوية" مع مظهرٍ من مظاهر الفكر الحداثي (قضية إلغاء الرق في المثال المذكور) إلى نتائج إيجابية على رغم ما رافقها من صدامٍ عنفي.
وعلى العكس فقد تأتي المهادنة بنتائج سلبية. ويمكن هنا ذكر الشيوعية التي يفترض أن تشكل نظرياً، في جانبٍ منها على الأقل، أفضل تصالحٍ وانسجامٍ جذريٍّ مع الحداثة (إنْ أردنا تعريف الأخيرة بأنها تغييرٌ راديكاليٌّ وشاملٌ في المنظومة القديمة). فالشيوعية، كما يتم تقديمها في أدبياتها المبكرة، تجسيدٌ لحلمٍ طوباويٍّ في أقصى تجليّاته: المساواة الـمُطْلَقَة في إطار مشروعٍ خَلَاصِيٍّ يشمل كامل الجنس البشري، عبر إلغاء "النخب التقليدية" المنتمية إلى الماضي، وإلغاء احتكارها للقوة والثروة والفكر. إلا أن ما تم تطبيقه بعد صعود الشيوعية إلى السلطة، بعد اتخاذها شكل ثورةٍ شعبيةٍ كاسحةٍ ودموية، كان مثالاً فاقعاً على النتائج السلبية للمهادنة الموقتة بين السلطة (أو السعي إليها) وبين الفكر الحداثي؛ مهادنةٌ أفْضَتْ إلى نتائج مخيبةٍ للآمال: تسلقٌ خبيثٌ على أحلام البسطاء للوصول إلى السلطة، اجتثاثٌ دمويٌّ "للنخب التقليدية القديمة" فقط لتَحُلَّ "نخبٌ جديدةٌ" مكانها لكن تحت تسمياتٍ مختلفة، يضاف إلى ذلك تشكيلُ قطبٍ معاكسٍ للمنظومة القديمة التي تمّت الثورة عليها بالأساس، وتصوير الفكر الحداثي وكأنه منتجٌ حَصْرِيٌّ وأيديولوجيٌّ للغرب الإمبريالي.
لكن المهادنة التي أبدتها "النخب السلطوية" مع الفكر الحداثي (بغض النظر عن النتائج) لا تعني أن "النخب الدينية" في أوروبا قد استمرّت في اتخاذ مواقف متشنجة ورافضة للحداثة. بل على العكس، فقد عَمَدَتْ، هي الأخرى، إلى عقد مهادنةٍ مع الفكر الحداثي. فقد نشأتْ، على سبيل المثال، طوائف من المسيحية البروتستانتية دون أن تحوي على بُنىً كهنوتية تقليدية، وفي حالةٍ من التناغم النسبي مع الحداثة، كونها قد ترعرعتْ وتزامنتْ أصلاً مع لحظات التغيير الحداثي. وهذا ما جعل من البروتستانتية نقطةً محوريةً في المنظومة الصناعية إن أردنا الاستشهاد بعالم الاجتماع "ماكس ويبر Max Weber" (ت. 1920م)، مع الإشارة إلى أن هذا الدور الحداثي المنفتح يتناقض مع الدور المتعصب المنغلق الذي تلعبه أطرافٌ من البروتستانتية في وقتنا الراهن بخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية (وهذا يحتاج تفصيلاً في مقامٍ آخر). وفي صورةٍ مشابهةٍ يمكن الحديث عن التنوير اليهودي الأشكنازي أو مايسمى بـ "هالاخاه". وعلى النقيض فقد عَمَدَت المسيحية الكاثوليكية، بعد قرونٍ من التصلّب الدوغمائي، إلى التصالح البراغماتي والتدريجي مع الحداثة، حيث تُوِّجَ ذلك في مجمع الفاتيكان الثاني في الستينيات من القرن الماضي.
وعلى رغم التغيرات المهادنة التي أصابت مواقف "النخب السلطوية والدينية" تجاه الفكر الحداثي، إلا أن التغيرات العميقة التي أصابت الاقتصاد تبقى ربما العلامة الفارقة الأكبر أثراً. فعلى شاكلة ما حدث مع "النخب الفكرية" (أو ما يسمى بالمثقفين) التي تم تدشينها في مراحل سابقة، فقد ظهرتْ تدريجياً شريحةٌ مستحدثةٌ ومستقلةٌ وطموحةٌ من أبناء الطبقات الوسطى والمتعلّمة التي كانت قد استفادت من التغير الذي أصاب المنظومة التعليمية، ومن الانتعاش التدريجي للتجارة على مدى قرونٍ من عمر ما يسمى بالمدن الحرّة المنتشرة على امتداد الجغرافيا الأوروبية. وقد انتظمتْ هذه "النخب الاقتصادية الجديدة" في برجوازيةٍ صاعدة، لتشمل أيضاً مجموعاتٍ من الإقطاعيين والزعماء المحليين والـمُلّاك المتفرقين الذين انتهزوا رياح التغيير الحداثي. فنشأت المصارف ونضجت أسواق الأوراق المالية، وانتظمت قواعد تأسيس الشركات والمعاملات التجارية، وبدأت عجلة الاقتصاد، وكنتيجةٍ مباشرةٍ للثورة الصناعية، تأخذ صيغةً رأسماليةً على حساب الاقتصاد الإقطاعي العتيق، لتحتل موقعاً أساسياً من مفهوم الدولة الحديثة. وبالتوازي، وفي إطار صعود الفكر الإيديولوجي الليبرالي كنتيجةٍ للحداثة، تمتّعتْ هذه "النخب الاقتصادية الجديدة" بشيءٍ من الاستقلال النسبي، مع قدرتها على التحرر من حالة التماهي (أو حالة التحالف الوثيق) التي كانت تصهر "النخب الاقتصادية القديمة" مع "النخب السلطوية" و"النخب الدينية" في طبقةٍ نخبويةٍ معزولةٍ عن الشعب (إذ كثيراً ما كان الملك/الحاكم هو الكاهن الأكبر، والغني الأكثر ثراءً).
من الضروري أن نُخْضِعَ التغيرات التي طرأتْ على العلاقات بين مختلف أنماط "النخب التقليدية" إلى دراسةٍ دقيقةٍ بُغْيَةَ استيعاب التغيرات اللاحقة في علاقة هذه "النخب التقليدية" مع الفكر الحداثي، وفي تطوّر الفكر الحداثي بحدِّ ذاته. إذ يبدو أن التخلخل في العلاقات بين "النخب التقليدية"، وقدرتها على التعايش، أو رغبتها في التعايش مع "النخب الفكرية" الصاعدة، كان واحداً من العوامل الحاسمة في تحديد معالم وحدود واستمرارية الانفتاح الفكري، وفي تدشين الحوامل السياسية والاقتصادية والثقافية اللازمة لمثل هذا الانفتاح الفكري.
لقد بَرَزَ على هامش هذه التغيرات، وربما في صورةٍ غير مباشرة، مستوىً ملحوظٌ من حرية الفكر الذي تلاقى، لأول مرةٍ، مع بيئةٍ حاضنةٍ نسبياً للعمل المؤسساتي، وزَخَمٍ من "النخب الفكرية" القادرة على النهوض والاشتغال. وهذا ما أدْخَلَ العالم الغربي في أواخر القرن التاسع عشر فيما يسمى بظاهرة نهاية القرن Fin de Siècle؛ كاستجابةٍ جماعيةٍ للحداثة، وكامتدادٍ لسيرورةٍ بدأتْ تدريجياً منذ قرون، وكمساهمةٍ فعالةٍ في ازدهار الفكر الحداثي وِفْقَ أدواتٍ ومناهج من داخل المنظومة الجديدة. وقد استمرّتْ هذه الظاهرة حتى العقود الأولى من القرن العشرين، وشَهِدَتْ نشاطاً فكرياً وثقافياً خلّاقاً وملحوظاً في "الغرب"، ما أدّى إلى تغيراتٍ زلزاليةٍ وثوريةٍ على أكثر من صعيدٍ فكريٍّ: نظرية النسبية والفيزياء الكمومية، أنماطٌ جديدةٌ من الرياضيات غير الإقليدية، الفن الحداثي في القصة والرسم والموسيقا وغيرها، النظرية الخلوية والجرثومية في الطب، التحليل النفسي وعلم الأعصاب ونظرية التطور، المدارس الفلسفية الكبرى، تغيراتٌ على مستوى علم الإناسة والاجتماع واللسانيات والجيولوجيا، وتبدلاتٌ في المنظومة التربوية والصحية والحضور النسوي، يضاف إلى كلِّ ذلك جرعةٌ واضحةٌ من حرية الصحافة والأناركية وروح التمرد إلخ. ولم يكبح هذا الصعود سوى الاحتكاك العنفي بين النزعات القومية ذات الميول العنصرية، واندلاع الحروب العالمية التي ألقتْ بآثارها المدمِّرة على القارة الأوروبية العجوز، ونقلت مركز الثقل الفكري إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد هاجرتْ كثيرٌ من العقول الأوروبية لتستقر في العالم الجديد، كما حدث مثلاً مع مدرسة فرانكفورت الرائدة في النظرية النقدية (حيث استقرتْ في نيويورك بعد صعود النازية في الثلاثينيات من القرن الماضي).
وهنا يجب التأكيد على أن المهادنة التي أظهرتها "النخب التقليدية" مع الفكر الحداثي لا تعني تصالحاً حقيقياً معه، ولا تعني بالضرورة تغييراً راديكالياً وجذرياً في القواعد الأساسية التي تقوم عليها المنظومة السائدة. بل على العكس يمكن القول بأن مواقف المهادنة المذكورة كانت مرحلةً انتقاليةً مَهَّدَتْ للتحول إلى مواقف "الهيمنة الـمُقَنَّعة" التي باتتْ تمارسها، في صورةٍ مُخَاتِلَةٍ، "نخبٌ تقليديةٌ" جديدةٌ ومعاصرةٌ، بعد أن ورثتْ روح التسلط والاستئثار بالقوة عن أسلافها.
أخيراً تجب الإشارة إلى أن الصورة المختصرة التي تم عرضها في هذا المقال تنطبق، في شكلٍ أساسيٍّ، على عددٍ من المجتمعات في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية (أو ما يسمى تجاوزاً بالغرب). وعليه لا بُدَّ، قبل المضي في مناقشة مواقف "الهيمنة المقنعة" على الفكر الحداثي، من الإشارة في مقالٍ منفصلٍ إلى الانتقال من مواقف الرفض إلى المهادنة في منطقتنا المسماة بالشرق الأوسط.

لقراءة المقال من موقع الصحيفة الرجاء الضغط هنا

مأساة الطفولة في المشهد السوري - مقال قديم منشور في صحيفة الحياة

(صراع من أجل البقاء للفنان وسام الجزائري)

طفلٌ سوريٌّ مَحْمُولٌ على الأكتاف يهتفُ بعبارات التهديد والوعيد بالقتل. طفلٌ ثانٍ يَرْوي على أسماعنا، في تَمَاسُكٍ مُدْهِشٍ وسَرْدٍ رهيبٍ ودموعٍ مَكْبُوتَةٍ، كيف تَحَوَّلَ أفراد عائلته إلى مُجَرَّدِ أشلاء. وثالثٌ يعمل مُمَرِّضاً ومساعداً طبياً في عمليات بَتْرِ الأطراف في مشفىً ميدانيٍّ مُهَدَّدٍ بالقصف في أيِّ لحظة. وطفلٌ آخر يرتدي أمشاط الرصاص، ويحمل سلاحاً أطول من قامته الغَضّة، وفي يمينه سيجارةٌ يدخنها، لتَتَصَدَّرَ صُورَتُه صفحات الجرائد الأجنبية.
تَخْلُو الصور ومقاطع الفيديو المَذْكُورة من مشاهدِ الموتِ الفَجِّ، إلا أنها تعبقُ بالموت المُضْمَرِ، في أقسى مشاهِدِه المُتَخَيَّلَة، مع قاسمٍ مُشْتَرَكٍ يجعلها استمراراً تراجيدياً لأطفال درعا: الاستباحة الهَمَجِيّة والأليمة "للطفل السوري"، الذي انْتُزِعَ من المدرسة وباحة اللعب وأقلام التلوين، ليُرْمَى به وسط هذا الجحيم الأرضي. فأيُّ طفولةٍ تلك التي تُحْرَمُ من أبسط مُقَوِّمَاتِ الطفولة؟
في هذا السياق أصْدَرَتِ اليونيسيف، في آذار/مارس 2013، تقريراً حَمَلَ عنوان "أطفال سوريا: جيلٌ ضائع". يسردُ التقرير توَزُّعَ الأطفال في المناطق الساخنة ودول الجوار، مع عَرْضٍ لأوضاعهم العامة والصحية، وتعدادٍ "لإنجازات" المنظمات الدولية في استجابتها الباهتة للأزمة الإنسانية التي تعاني منها سوريا. كما يحفل التقرير بكثيرٍ من الإحصائيات المؤلمة مُشِيراً، على سبيل المثال، إلى أن الأطفال يُشَكِّلُون 50% من اللاجئين السوريين خارج البلاد، وأن مليونين من الأطفال في حاجةٍ إلى مساعداتٍ عَاجِلَةٍ تبلغ نفقاتها بحدود 200 مليون دولار (تَمَّ تأمينُ خُمْسِها فقط!).
يُعْتَبَرُ الأطفالُ عُرْضَةً إلى مختلف أشكال الاستغلال المادي/الجسدي خصوصاً في سياق العنف والفوضى. وفي ظلِّ الاقتتال المُسْتَعِرِ في سوريا، والخراب الذي طَالَ المناطق السكنية في المدن والبلدات والقرى (منها ما سُوِّيَ بالأرض)، فقد بلغ عدد الضحايا من الأطفال ما يزيد عن ستة آلاف، عدا عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين. وفي أعنف الأشكال الراديكاليَّة يغدو الطفل أداةً وجزءاً من الصراع العنفي؛ إنْ على مستوى التجنيد كعنصرٍ مقاتلٍ مُقْبِلٍ على الفناء على خطوط "الجبهة"، أو على مستوى "الجسد" المُسْتَبَاح أولاً بالقتل، والمُسْتَبَاح تالياً بالحَمْل على الأكُف؛ في فعلٍ استعراضيٍّ فظيعٍ يتكاملُ مع فظاعة الموت؛ وكأن وحشيّة قاتل الطفل لا يُمْكِنُ لها أن تتجلّى إلا عبر العرض الوحشي لجسد الطفل/الضحية.
أما الأطفال الناجون من الموت، ومن وحشية تجار الحروب، فسوف "يعيشون" في ظلِّ الفقر والتشريد، مع حرمانٍ شبه كاملٍ من الرعاية الصحية، والتغذية المتوازنة، وغيرها من المستلزمات الأساسية للحياة والنمو السليم.
يجب التوقف عند عُمْقِ الرضوض المعنوية/النفسية التي تتركُ آثارها في ذهنية الطفل وتحفر في ذاكرته. فالطفل السوري ينام ويستيقظ على وَقْع أصوات الرصاص والمدافع والمفخخات والصواريخ، وعلى مشاهد الدم المَعْروضة على الشاشات. ومع تزايد عدد الأيتام الذين فقدوا الأهل، يزداد العبء النفسي الناجم عن الحرمان العاطفي وفقدان الشعور بالأمان. يُضافُ إلى ما سَبَقَ فجوةٌ عميقةٌ على مستوى التحصيل المعرفي بعد تَشَتُّتِ الكادر التعليمي، وتدمير آلاف المدارس، أو تحويلها إلى مقار للنازحين أو حملة السلاح أو للاعتقال والتعذيب. في حين بَرَزَتْ مؤخراً، في الشمال السوري، ظاهرةُ المدارس التي تتبنّى قراءةً متعصبةً للفكر الديني، وتُطَبِّقُ مناهج مؤدلجةً (قد لا تختلف كثيراً، من ناحية المبدأ، عن المناهج الإيديولوجية البعثية التي كانتْ تُدَرَّسُ على مدى عقود). كما لا يجب أن نُقَلِّلَ من شأن الأحقاد التي يَسْكُبُها "الكبار" سَكْباً، على مستوى الحوارات اليومية، في مسامع الأطفال وأبصارهم وقلوبهم. وكأن هؤلاء "الكبار" لا يَكْتَفُون بالفظاعات التي يَرْتَكِبُونَها، بل يُصِرُّون على توريثِ الأطفالِ أمراضَهم ومآلاتِ عنفهم. ولعلّه من النافِلِ القولُ بأن المأساة مضاعفةٌ عند الأطفال المُنْحَدِرِين أصلاً من خلفيةٍ اجتماعيةٍ مُهَمَّشَةٍ، ما يُعَمِّقُ من المعاناة واللامساواة المُسْتَفْحِلَةِ في "المجتمع السوري".
وفي سياق جمودٍ فكريٍّ ومؤسساتيٍّ يُخَيِّمُ على المنطقة، تُعِيرُ قِلّةٌ من السوريين بالاً للآثار التي يتركها الصراع العنفي على الأطفال. ففي سوريا جيلٌ مُثْقَلٌ بالرضوض النفسية والملوثات الفكرية، مع هُوَّةٍ أليمةٍ تتسع يومياً على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي. ومع ذلك لا نجد، بعد عامَيْن، حِراكاً مَدَنِيَّاً متناسباً مع حجم الكارثة. نَلْحَظُ هذا التقصير على مستوى المبادرات الدولية والإقليمية، أو على مستوى المبادرات السورية، سواء في مخيمات اللاجئين خارج سوريا، أو في الداخل السوري. حيث تكاد هذه المبادرات أن تكون شبه غائبةٍ، وإن وُجِدَتْ فمعظمها لا يَتَّصِفُ بالجدِّية، أو يميل إلى مُجَرَّدِ الاستعراض، أو المُسَاوَمَة على الولاءات.
لا خلاف على أن أفضل استجابةٍ لهذا الوضع الكارثي هي في إيجاد حلٍّ جذريٍّ للأزمة، لا الاكتفاء بتجميلها "إنسانياً" في صورة إغاثيةٍ عبر مساعداتٍ من هنا وتبرعاتٍ من هناك؛ فالأعمال الإغاثية، على أهميتها، ليستْ سوى ردة فعلٍ يُفْتَرَضُ أن تكون مؤقتةً، وهي بالتأكيد ليستْ بجوابٍ شافٍ ومُستدام. لكن مثل هذا الحلِّ الجذري، المستند بَديهَةً إلى وقف العنف، في حاجةٍ إلى إرادةٍ سوريةٍ مسؤولةٍ تَعْضُدُها عمليةٌ سياسيةٌ جادّة. هذا ما أفاد به التقرير الأخير للأخضر الإبراهيمي، وهذا ما طَرَحَهُ الشيخ معاذ الخطيب في مبادرته التي تلتقي مع مساعي عددٍ من قوى المعارضة (سوريا بين احتمالات التفاوض والتشظي، الحياة، 29 آذار/مارس 2013). وإلى أن تقتنع الأطراف العنفية (وأولها النظام)، أو تُجْبَرَ على أن تقتنعَ، بالتخلّي عن أحلام الحسم العسكري، ستبقى هذه الصورة المثاليّة بعيدةً عن التحقيق، وستبقى المأساة السورية مُرَشَّحَةً للاستفحال.
أطفالُ سوريا مسؤوليةٌ كبرى على عاتِقِ كلِّ سوريٍّ، وحمايتهم وتحييدهم جسدياً ونفسياً عن فظاعات العنف، أوْلَى من تسجيل السوريين "الكبار" لانتصاراتٍ عَبَثِيّةٍ على بعضهم، أو تحقيقهم لمكاسب بطوليةٍ على خطوط الجبهة التي تُفَتِّتُ وتُدَمِّرُ الوطن. وأخيراً فعلى كلِّ حريصٍ على سوريا أن يتذكر بأن استباحةَ الأطفال استباحةٌ للجيل الصاعد في سوريا؛ استباحةٌ تَذْبَحُ بصَمْتٍ مستقبلَ وطنٍ يبحثُ عَبَثاً عن مستقبل.
تمكن قراءة المقال من موقع الصحيفة بالضغط هنا.