قراءات في تاريخ العلوم: آلية الإبصار في كتاب "الشكوك على جالينوس" للرازي


احتلَّ النقاشُ حول كيفية عمل الجهاز البصري (أو ما يسمى بآلية الإبصار) مساحةً مهمةً من كتاب "الشكوك على جالينوس"، ويعكس ذلك أهمية هذه القضية التي أثارت كثيراً من الجدل. فقد ظلت مسألة الإبصار وآليته من المبهمات التي أعيت الفلاسفة والأطباء على حدٍّ سواء، وعلى مدى قرونٍ من الزمان، حيث ناقشها البابليون والصينيون والهنود في شكلٍ أولي[1]، ثم جاء الإغريق وأسسوا النقاش وفق قواعد فلسفية مُحْكَمَة.

(صفحة من كتاب تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر، تأليف كمال الدين الفارسي (ت 709 هـ). حيث يعرض المؤلف صورةً توضيحيةً للجهاز البصري. والصورة منسوخةٌ عن كتاب المناظر لابن الهيثم الذي طوّر عمل الرازي. المخطوطة محفوظة في مكتبة متحف طوبكابي في إستنبول تحت الرقم 3340)

ونتج من ذلك كثيرٌ من الآراء المتباينة والفرضيات، حيث كان لكلِّ فريقٍ حججه التي استند إليها في تأييد الفرضية التي تبنّاها. وكانت التفسيرات في معظمها نظريةً أو مبنيةً على أسسٍ فلسفيةٍ تأملية، وذلك على عادة علماء ذاك الزمان، حيث كانت الفلسفة متغلغلةً في مختلف العلوم والمعارف. ويمكن إدراج هذه الآراء المتباينة في فرضيتين[2]:
·        فرضية الشعاع: وتتلخّص في أن هناك ما يسمى بالجوهر أو الروح النوراني. حيث ينزل هذا الجوهر من الدماغ إلى العين، ليخرج منها كما يخرج الشعاع من المصباح. ويتشكل الإبصار، حسب هذه النظرية، حين يصل هذا الشعاع إلى الشيء المـُبصَر (الشيء الذي تتم رؤيته). وكان جالينوس من أنصار هذه النظرة (وهي خاطئةٌ حسب المعايير العلمية في العصر الحديث)
·        فرضية الانطباع: وهي مماثلةٌ –من حيث المبدأ- للنظرية القائمة حالياً؛ حيث ينطبعُ خيالُ الجسم الـمُبصَر (الشيء الذي تتم رؤيته) في عين الـمُبصِر (الشخص الذي يرى). وكان الرازي من أنصار هذه الفرضية التي أسهب في الحديث عنها، فها هو يقول: (وقد أفردتُ للنظر في هذا الرأي مقالةً ضخمةً، وبيّنتُ أن الإبصار يكون بتشبّح الأشباح في البصر)، أي بانطباع أخيلة الأجسام.
لقد قَدَّم الرازي فيما كتبه تفسيراً منطقياً وأقرب إلى النظرية المتوافق عليها حالياً، حيث رفض فرضية الشعاع وأقرَّ فرضية الانطباع، وقَدَّم عدة حجج لنقضِ الأولى وإظهارِ بطلانها، ودعمِ الثانية وإقرارها. وكان تفسيره –مع ما فيه من الزخم الفلسفي- ذا صبغةٍ علمية متميزة (وفق المعايير السائدة في ذلك الزمان). فقد اعتمد في تفسيره على مجموعةٍ من الملاحظات والدلائل التجريبية الحسية، بدلاً من الاكتفاء بالدلائل النظرية كما جَرَتِ العادة.
إلا أن الرازي من ناحيةٍ أخرى لم يأت بالصواب كله، فقد أوضح بأن أشباح الأجسام المُبْصَرَة تنطبع في الجليدية (الجسم الزجاجي) في الحجرة الخلفية من العين، ومنه تنتقل عبر العصب البصري إلى الدماغ! وهذا مخالفٌ لما هو متعارفٌ عليه الآن من أن انطباع الأخيلة إنما يكون في الشبكية التي تشكل البطانة الداخلية في كرة العين.
وبكل الأحوال لم يكن الرازي أول من قال بفرضية الانطباع، فقد ذكرها قبله أرسطو. إلا أن كتابات الرازي أعطتْ زَخَماً لهذه الفرضية، وأنقذتها من تسلط آراء جالينوس التي كانتْ سائدة على مدى قرون. وقد أتاح الرازي لمن أتى بعده أن يأخذ هذه الفرضية على عاتقه ويطوّرها، ليخرج منها بأفكارٍ وملاحظاتٍ مدعمة لها؛ كما فعل ابن سينا في دعمه وتفسيره الهندسي لنظرية الإبصار. مع الإشارة إلى أن هذه النظرية لن تأخذ حظّها من النضج المعقول، في العصور الوسطى، إلا مع كتابات ابن الهيثم (ت 430 هـ)، أي بعد وفاة الرازي بحدود قرنٍ من الزمان.




[1]  جلخي
[2]  جلخي

من دفتر الذكريات القريبة: عن هواجس البحث العلمي وندوة عام 2009




(اللجنة المنظمة للندوة. من اليمين: نبيل ولف، علي قلعجي، هند، ليزا بارينجتون، فاروق حديد، طلال الميهني، محمد خاطر، جميل زايد)

كم كان مؤلماً أن نعلم بأن جامعة حلب، وكنتُ طالباً فيها، تحتلُّ المرتبة 8000 على مستوى الكرة الأرضية! كم كان مؤلماً أن نسمع بأن القائمة التي تحوي أفضل 500 جامعة في العالم لا تضمُّ سوى جامعة واحدة من المنطقة الناطقة بالعربية!
كنّا مجموعةً من طلبة الدراسات العليا (دكتوراه وماجستير) في بلاد المغترب، نتقاسم هذه الآلام، ليجمعنا شعورٌ مشتركٌ بعدم الرضا وبالأسى على ما تعيشه بلداننا في المجالات العلمية والأكاديمية. كنّا نطرح التساؤلات في حواراتنا اليومية، محاولين ترجمتها في طموحاتٍ كبرى، ونحن نعيش على أملٍ ما بأن نتجاوز حالة الانحطاط والتراجع المعرفي.


في محاولةٍ أوليةٍ (وغير ناجحةٍ) في هذا السياق، قُمْتُ في آذار/مارس 2009، بالتعاون مع عددٍ من الزملاء، باستضافة ندوةٍ بعنوان (العلوم والبحث العلمي في الوطن العربي: التحدّيات والآفاق المستقبلية). كانت غايتنا مدفوعةً برغبةٍ صادقةٍ وعفويةٍ للارتقاء بالبحث العلمي الأكاديمي في جامعاتنا، وتأسيس شبكةٍ تعنى بالنهوض بواقعٍ مأساويٍ اعتدْنا انتقاده.
تمّت رعاية الندوة من قبل الجمعية العربية في كامبريدج (وكنتُ حينها رئيس الجمعية)، حيث أقيمت في "كلير كوليدج Claire College" في جامعة كامبريدج. وشارك فيها عددٌ من الباحثين والأكاديميين والخبراء العاملين في مجال التنمية والأبحاث من الناطقين بالعربية وغيرهم، كما حضر الندوةَ جمهورٌ من الطلبة والمهتمين.
انطلقت الندوة بكلمة ترحيبٍ بالحضور، تلاها محاضرةٌ للبروفسور رفيد الخدار من جامعة «ليفربول مور» قدّم فيها قراءةً للعلم المدوّن بالعربية في العصر الذهبي وفي عصور التدهور والتأخر. ثم ألقى الدكتور عماد الإمام، بالنيابة عن السيد عبد اللطيف الحمد مدير «الصندوق العربي للتنمية»، محاضرةً تحدّث فيها عن التحدّيات العامة التي تواجه العالم العربي مع بداية الألفية الثالثة. في الجلسة الثانية، ألقى الدكتور عدنان شهاب الدين محاضرةً ركّز فيها على التحدّيات التي تواجه العلوم، وخصوصاً البحوث العلمية. وفي الجلسة الثالثة قدّم الدكتور عبدالله النجار رئيس «المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا» لمحةً إلى عمل المؤسسة، إضافةً إلى مجموعةٍ من الأفكار التي يمكن لجيل الشباب المتحمس أن يسهم في تحقيقها. ثم أعطى الدكتور آصف دياب لمحةً عن التجربة السورية في دعم البحث العلمي من خلال موقعه كمديرٍ عام لـ «الهيئة العليا للبحث العلمي» في سوريا. وامتدت الجلسة الرابعة والأخيرة على مدى ساعتين، وشملتْ نقاشاً مفتوحاً تفاعل فيه الحضور مع ما عُرِضَ من أفكار.

(صورة تجمع المحاضرين المشاركين. من اليمن مع حفظ الألقاب: عماد الإمام، عبد الله النجار، عدنان شهاب الدين، آصف دياب، رفيد الخدار)

وقد أفضى اللقاء إلى مشروعٍ مقترحٍ لتأسيس ما أطلقنا عليه اسم "المجمع العلمي العربي" (في محاولةٍ لإحياء ظاهرة المجمعات العلمية التي كانت منتشرةً في المشرق العربي في بدايات القرن الماضي، قبل أن تصبح هذه المجمعات مقتصرةً على اللغة العربية). وللأسف لم يكتب لهذا المشروع أن يستمر، وذلك لأسبابٍ كثيرةٍ سأعمل على تفصيلها في مقامٍ آخر.



(صورةٌ تجمع اللجنة المنظمة للندوة مع المحاضرين المشاركين.)


قراءات في تاريخ العلوم: بعض الاصطلاحات الطبية التي استخدمها أبو بكر الرازي


قدمتُ، في معهد التراث العلمي العربي، التابع لجامعة حلب، دراسةً أوليةً عام 2004 عن كتاب "الشكوك على جالينوس" لمؤلفه أبو بكر الرازي. وقد تناولَتْ تلك الدراسة، في شكلٍ خاصٍ، الشكوك التي أثارها الرازي على جالينوس فيما يتعلق بالجهاز البصري وآلية الإبصار عند الإنسان.


ولعله من المناسب، قبل الدخول في قراءةٍ مختصرةٍ لهذه الدراسة، أن أشير إلى عددٍ من الاصطلاحات الطبية التي دأب الرازي على استخدامها، مع إثبات تفسيرها منعاً للالتباس، وإزالةً للإبهام، بخاصة أن معظمها مختلفٌ عما نستخدمه في عصرنا الحالي من اصطلاحاتٍ طبيةٍ معاصرة.

·   الجليدي: أي الجسم الزجاجي، وهو سائلٌ هلاميٌّ سميك وشفّاف يملأ الحجرة الخلفية من العين، ويعطيها شكلها الكروي المفلطح وقوامها.
·   الرطوبة: مصطلحٌ طبيٌّ مستعملٌ بكثرةٍ في كتابات الأطباء القدامى في العصور الوسطى، وغالباً ما يأتي في كتاب "الشكوك على جالينوس" بمعنى الطبقة التي تحيط بعضوٍ من أعضاء الجسم.
·   الرطوبة البيضية: يقصد بها الطبقة الخارجية من العين التي يبدو لنا لونها الأبيض، والتي تدعى بـ " صلبة العين" أو "الطبقة الصلبة"، وهي بالمناسبة ليست صلبة، بل قوامها شحميٌّ متماسك.
·       الرطوبة الجليدية: انظر الجليدي أعلاه.
·       الشبح: بمعنى الخيال، وجمعها الأشباح بمعنى الأخيلة، واصطلاح "تَشَبُّح الأشباح" يعني انطباع الأخيلة.
·   الصنوبرة: يقصد بها المخروط البصري الذي تتألف قاعدته من الساحة البصرية، ويتوضع رأسه في الحدقة حسب رأي الرازي (وهو الأصح)، وفي اللطخة العمياء حسب رأي جالينوس (وهو خطأ).
·       العصبة: أي العصب (كان هناك ميلٌ لتأنيث كلمة عصب). طبعاً الحديث هنا عن العصب البصري الذي يصل بين العين والدماغ.
·   العنبي: يعني بها الطبقات الداخلية المبطنة للعين، وسميت بالعنبي لأنها تميل إلى لون العنب الغامق، وتعرف حالياً بـ "الطبقة المشيمية" أو "الوسطى". وقد يذكر "ثقب العنبي" بمعنى الحدقة أي بؤبؤ العين.
·       القرني: يقصد بها القرنية وهي طبقة شفافة تتوضع أمام بؤبؤ العين.
·     الناظر = ثقب العنبي = ثقب الناظر: بمعنى الحدقة (أي بؤيؤ العين)، وقد يقول ثقب الناظر، وجمعها النواظر.

نحن والغرب: صورتنا بين المرسوم والرسام - مقال منشور في صحيفة الحياة


لقراءة المقال من موقع الصحيفة الرجاء الضغط هنا 

بينما يقف "المرسوم" جامداً وصامتاً ومستسلماً كي يُرْسَم، يحمل الرسّام ريشته كي يَرْسُم، لتنتج من هذه المواجهة بين الرسام والمرسوم صورةٌ ترتسم في اللوحة. وعلى سبيل الاستعارة والتشبيه، يمكن إسقاط هذه العلاقة بين "المرسوم والرسام" على العلاقة المشوَّهة التي تجمعنا "نحن"، الذين نقطن المنطقة المسماة بالشرق الأوسط، مع "الغرب" (وهو مصطلحٌ غير دقيق).



تاريخياً فقد أخذنا "نحن" موقعنا كمرسومٍ، وأخذ "الغرب" موقعه كرسامٍ، في مرحلةٍ كنّا فيها على هامش صناعة التاريخ؛ أي منذ تدشين الحداثة، وسيطرة "الغرب" على القوة المادية العلمية/التقنية، وصعود الحركات الاستعمارية الكبرى كمظهرٍ مظلمٍ للتنوير الأوروبي. وتقدِّمُ هذه العلاقة المشوَّهة مثالاً صارخاً على تفوُّق "الغرب" وإمساكه بالسلطة، وعلى خضوعنا الطَوْعي والبائس لتلك السلطة التي تتجلّى على مستوى الممارسة والخطاب.
فعلى مستوى الممارسة يغدو "الغرب"/الرسام، بامتلاكه للريشة وبقدرته على استخدامها، متحكِّماً بزمام المشهد: بممارسة إرادته الحرّة في إنتاج الصورة، وبتحديد محتوى هذه الصورة. أما "نحن"، فبأخذنا موقع المرسوم بجمودٍ وصمتٍ واستسلام، فإننا نتخلّى عمليّاً عن كلِّ إرادةٍ ومبادرةٍ حرة وممارسةٍ فاعلة، لنغدو مُجَرَّدَ موضوعٍ منفعلٍ لصورةٍ لا دور لنا فيها؛ موضوعٍ يخضع بصمتٍ لممارسة "الغرب"/الرسام الذي يرسمنا ويفرض إرادته على صورتنا: بدءاً بتحديد ملامحنا، وإسباغ الصفات علينا، وانتهاءً بتقسيم الأحياز وحشرنا فيها، وتعيين الحدود التي تفصلنا عنه، وتفصله عنا.
أما على مستوى الخطاب فيبدو "الغرب"/الرسام وكأنه يدخل في حوارٍ معنا "نحن"/المرسوم. ومع أننا موضوعٌ لهذا الحوار، إلا أنه حوارٌ يغيب عنه التكافؤ: حوارٌ بين "الغرب" الذي يستأثر بالخطاب (نتيجة امتلاكه السلطة)، وبيننا "نحن" الذين نفتقر إلى القدرة على قول الخطاب (نمتلك فقط، وفي أحسن الأحوال، فرصة الاستماع الحَصْري إلى خطاب "الغرب"). وفي مرحلةٍ تاليةٍ يتم تفريغ الحوار من محتواه ليتحوَّل، تلقائياً، ليس فقط إلى حوارٍ شكليٍّ، بل إلى حوارٍ ذاتيٍّ يمارسه "الغرب" مع نفسه، قبل أن يفرضه لاحقاً علينا.
وقد وصلت صورتنا التي رسمها "الغرب" لنا، وبالنيابة عنا، ذُرْوَةَ وقاحتها ونَمَطِيَّتِها مع مدارس الاستشراق الكلاسيكي إبّان القرن التاسع عشر. إذ ركزت تلك المدارس، انتقائياً، على بعض الصفات الموجودة فينا، وقامت بتضخيمها كاريكاتورياً وتقديمها في صورةٍ نمطيةٍ تخلو من الحركة والألوان؛ لتبدو وكأنها قطعةٌ من البروباغندا الثقافية الساكنة والمتخشبة، وتكون ترجمةً لما أراده "الغرب"، باحتكاره للسلطة، أن يراه فينا. وبناءً على هذه الصورة النمطية، نتجسَّدُ "نحن" في جماعاتٍ، منفصلةٍ شاقولياً، تَسُود داخل كلٍّ منها حالةٌ مطلقةٌ من التجانس والجمود واللاعقلانية، فيذوب الفرد في الجماعة ويتلاشى، ليتبع قيماً وتقاليد واحدة وشمولية، ويخضخ طواعيةً "للاستبداد المشرقي" الذي يقمع هذه الجماعات المتنافرة ويحكمها: بحذاء جنرالات العسكر و/أو عمامة رجال الدين.
أما "نحن" فقد عمدنا، وبكلِّ انبهارٍ، إلى استقبال صورتنا التي رسمها "الغرب"، وإلى استخدامها كوسيلةٍ للانعزال عن هذا العالم: فـ "نحن" الشرق الغامض، والعالم الإسلامي، والشرق الأوسط/الأدنى، والمذهب الفلاني، والقومية الفلانية إلخ؛ صورةٌ لم نرسمها اعتماداً على أنفسنا "نحن"، ولا استناداً إلى حقيقتنا الكاملة، بل استوردناها جاهزةً عبر "تَقَمُّصِ" الصورة المجتزأة التي رُسِمَتْ لنا!
ومع صدمة اللقاء الأليم مع "الغرب"، ومقدمات اليقظة المجهضة التي عمَّت المنطقة منذ أواسط القرن التاسع عشر، أصابنا شعورٌ بالغَبَن، وبأن الصورة المرسومة لنا ليست دقيقةً. وللأسف لم يفضي ذلك بنا إلى مراجعةٍ ذاتيةٍ شاملةٍ تعالج العطالة الكامنة فينا، بل أنتج ارتكاساً ثانوياً رمى باللائمة على "الغرب"/الرسام، مُحَمِّلاً إيّاه كامل المسؤولية: فتعمّق انعزالنا عن العالم، لنعلن كراهية "الغرب" والعداوة معه، مع الاكتفاء بحثِّه، في أفضل الحالات، على تعديل الصورة كي تصبح أكثر إرضاءً لنا.
هنا تأسستْ، في واقعنا المعاصر، "مُسَلَّمَةٌ ثقافيةٌ" مشحونةٌ بتناقضٍ فجٍّ: نقنع أنفسنا بأننا نكره "الغرب"، لكننا، بالتوازي، نسلّم ونرضى بأن يرسم "الغرب" صورتنا، لنكتفي بالاعتراض، من حينٍ لآخر، على محتوى هذه الصورة فقط.
وتستفحل "المسَلَّمَةُ الثقافية" بتكريسها لافتراقٍ غير قابلٍ للاندمال بيننا "نحن" وبين "الغرب"، ما يوسع الهُوَّةَ التي تفصلنا عنه، و يجعل التلاقي معه متعذراً. وبدلاً من علاقة الانفتاح والاندماج الثقافي التي وسَمَتْ، على سبيل المثال، مرحلة الإسلام المبكر، تغدو العلاقة مع "الغرب" مشوَّهةً ومَوْسُومةً بالصدام الممزوج بالخضوع.
وعملياً تسهم هذه "المسَلَّمَة"، وما تشتمل عليه من تناقضٍ وافتراق، في ترسيخ صورتنا النمطية، وفي تحويلها من منتجٍ من منتجات "الغرب"، إلى جزءٍ من ذاتنا التي ندَّعي مجابهة "الغرب" بها. وبهذا أصبح للصورة دورٌ أكبر من كونها مُجَرَّدَ صورة: فهي مرجعيةٌ متكاملةٌ نقيس ذاتنا عبرها، ونكوِّن ذاتنا من خلالها؛ تاريخنا، أصالتنا، تقاليدنا، ذائقتنا الجمالية، وموقفنا من "الغرب"، وعلاقتنا معه، وعلاقتنا مع بعضنا البعض، ووعينا المشوَّه لذاتنا. وهكذا تغدو صورتنا، بعد أن نتقمَّصَها، "سبباً" من أسباب وجودنا في هذا العالم، وانعزالنا عنه في الوقت نفسه: إذ لا يكتمل وجودنا/انعزالنا دون الصورة! وبما أن الصورة من منتجات "الغرب"، فهذا يعني ضمناً، أنه لا يكتمل وجودنا/انعزالنا دون "الغرب" الذي نجاهر بعدائه!
تخلق "المسَلَّمَة الثقافية" حلقةً مفرغة: معاداة "الغرب" ظاهرياً، والتواطؤ اللاواعي مع هذا "الغرب" ضمنياً؛ مواجهةٌ صاخبةٌ مع "الغرب" لكن بعد الخضوع إلى سلطته والتسليم بها، ومجابهةٌ صارخةٌ ضد "الغرب" لكن بعد أن نحتفي بمنتجاته بما فيها الصورة التي يرسمها لنا (وإنْ لم تعجبنا).
وكلّما تعمَّق الشعور بالانكسار قبالة تفوُّق "الغرب"، وكلّما تعمَّق الإحساس بمرارة الكرامة الجريحة والمتضخمة والمحقونة إيديولوجياً بطريقةٍ ممنهجة (في نطاق الأسرة والمدرسة والإعلام إلخ)، ازداد البغض الموجَّه نحو "الغرب"، وازداد، للمفارقة، الاعتماد البائس عليه لإكمال وجودنا وتوكيده! ومع نمو اليقين باستحالة المواجهة وعبثيتها على أرض الواقع يترسخ اليأس والإحباط، ويتحوَّل الشعور الدفين والمتنامي والمتوهَّم بالدُّونية إلى شعورٍ معاكسٍ وسافرٍ بالاستعلاء على "الغرب" وازدرائه، مع انزلاقٍ محتومٍ في متاهاتٍ عنفيةٍ ومتطرفةٍ وعَدَمِيّة.
تلعب هذه "المسَلَّمَة الثقافية" دوراً رئيسياً في خلق، واستمرار، "الحالة البرزخية" التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، والتي تتلاطم وتتصادم فيها قيم الحداثة والعصور الوسطى. وعليه، وفي سبيل تفكيك "الحالة البرزخية" المذكورة، فلا بدَّ من التحرر من أسْرِ "المسَلَّمَة الثقافية". تحررٌ لا يمكن له أن يتم بمُجَرَّدِ الاعتراض السطحي على محتوى الصورة التي رسمها "الغرب" لنا، أو بإعلاننا اليائس لكراهيتنا له وحقدنا عليه. بل بمقاربةٍ جذريةٍ وذاتيةٍ تتجاوز أزمة الانبهار والاعتماد الضمني على "الغرب"، وتتجاوز عقدة البغض والكراهية السافرة له، وتحوِّل العلاقة المشوَّهة معه إلى علاقةٍ صحيةٍ تنبذ الانعزال، وتستند إلى الندّية وقيم الانفتاح والأنسنة.
وأخيراً، يحتاج هذا التحرر، بلا شك، إلى جهدٍ وتعاونٍ مشتركٍ بيننا وبين "الغرب"، لكنه مشروطٌ بخطوةٍ أولى: أن نرفض القبول بموقع المرسوم بالأساس، وأن نرفض أخذ "الغرب" لموقع الرسام بالأصل، وأن نسعى إلى امتلاك ريشةٍ نرفعها، ومرآةٍ نقف قبالتها، لنرسم صورتنا كما "نحن" على حقيقتنا، ولنكون "نحن" الرسام والمرسوم. 


لقراءة المقال من موقع الصحيفة الرجاء الضغط هنا


ماريان: رمزٌ فرنسيٌّ للتلازم بين "الحرية والعقل"





يبرز وسط "ساحة الأمّة" في باريس تمثالٌ برونزيٌّ من عمل النَحَّات الفرنسي "جول دالو Jules Dalou" (ت. 1902م). ويمثل هذا التمثال، الذي تبدو صورته إعلاه، "ماريان Marianne"؛ تلك الشابة الفرنسية الأسطورية، التي تعتبر رمزاً من رموز الجمهورية في فرنسا، والتي تحملُ، بملابسها البسيطة وحضورها في الذاكرة الوطنية، دلالةً على القطيعة مع النخبوية الأرستقراطية التي سادتْ قبل الثورة الفرنسية. كما تعكس "ماريان"، في أدبيات الثوريين الفرنسيين، تلازماً رمزياً ومهماً بين "الحرية والعقل"؛ تلازمٌ رمزيٌ يقف في تضادٍ نافرٍ مع السَّرْدِيّة الدوغمائية التي شاعتْ عبر قرونٍ من التاريخ البشري. 
لم يكن تلازم "الحرية والعقل"، وصعود هذا التلازم، حِكْراً على فرنسا، بل كان ظاهرةً انتشرت على مستوى الممارسة والخطاب العام، ورافقت الحداثة التي يصعب تحديدُ لحظاتٍ معينةٍ لانطلاقها. 
يبحث المقال التالي المنشور في ملحق نوافذ (رابط المقال في الأسفل) في جانبٍ من جوانب هذا الصعود، وما واجهه من رفضٍ ومقاومةٍ من قِبَلِ "النخب التقليدية" التي اعتادت الإمساك بزمام السلطة واحتكار المعرفة والاشتغال الفكري طيلة قرون. 

الفكر كضحية للنخب التقليدية: من الهيمنة السافرة إلى مواقف الرفض في عصر الحداثة - مقال منشور في ملحق نوافذ.


الفكر كضحية للنخب التقليدية:
من الهيمنة السافرة إلى مواقف الرفض في عصر الحداثة

بقلم: طلال المَيْهَني

http://www.almustaqbal.com/Nawafez.aspx?pageid=88634

يبرز وسط "ساحة الأمّة" في باريس تمثالٌ برونزيٌّ من عمل النَحَّات الفرنسي "جول دالو Jules Dalou" (ت. 1902م). ويمثل هذا التمثال "ماريان Marianne"؛ تلك الشابة الفرنسية الأسطورية، التي تعتبر رمزاً من رموز الجمهورية في فرنسا، والتي تحملُ، بملابسها البسيطة وحضورها في الذاكرة الوطنية، دلالةً على القطيعة مع النخبوية الأرستقراطية التي سادتْ قبل الثورة الفرنسية. كما تعكس "ماريان"، في أدبيات الثوريين الفرنسيين، تلازماً رمزياً ومهماً بين "الحرية والعقل"؛ تلازمٌ رمزيٌ يقف في تضادٍ نافرٍ مع السَّرْدِيّة الدوغمائية التي شاعتْ عبر قرونٍ من التاريخ البشري.



لم يكن تلازم "الحرية والعقل"، وصعود هذا التلازم، حكراً على فرنسا، بل كان ظاهرةً انتشرت على مستوى الممارسة والخطاب العام، ورافقت الحداثة التي يصعب تحديدُ لحظاتٍ معينةٍ لانطلاقها. فمع أن كتب التاريخ تنظر تقليدياً إلى اختراع الطباعة أو اكتشاف العالم الجديد أو الثورة الفرنسية وغيرها كأحداثٍ فاصلةٍ ومصيريةٍ في الإعلان عن الحداثة، إلا أنه من الأدق النظر إليها على أنها حصيلةٌ تراكميةٌ لنشاطٍ بشريٍّ إبداعيٍّ ألغى أو بَدَّلَ أو عَدَّلَ، وفي صورةٍ تدريجيةٍ، كثيراً من المفاهيم والقيم التي رَاجَتْ في عصور "ما قبل الحداثة" على المستويات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومع انفجار الثورة العلمية وانتشار النُّظُم التعليمية التي انفصلتْ، وبنسبٍ متفاوتةٍ، عن السيطرة المباشرة للمؤسسات الدينية، حصل تغيرٌ في الطبيعة التقليدية للمعرفة والاشتغال الفكري. فتراجعت معدلات الأمية، وحصلت فئاتٌ جديدةٌ في المجتمع على حقِّ التعليم دون شرط الانتماء إلى، أو التحالف مع، "النخب تقليدية" التي اعتادت احتكار المعرفة والفكر كملمحٍ من ملامح احتكار القوة (تمت مناقشة ذلك باختصار في مقالٍ سابق: الفكر كضحية للنخب التقليدية، قراءة أولية في عصور ما قبل الحداثة. ملحق نوافذ، جريدة المستقبل، 16 حزيران 2013).
وقد تركت هذه التطورات أثرها على محتوى وانتشار المعرفة والاشتغال الفكري، بخاصة على مستوى الفكر العلمي العقلاني الذي احتلَّ حضوراً واسعاً. فخضوع الفكر العلمي العقلاني إلى ضوابط الملاحظة الحسية والتجربة والتكرار جعله متاحاً لأفرادٍ ينتمون إلى خلفيّاتٍ مذهبيةٍ وقوميةٍ وطبقيةٍ متباينة. وتَمَشِّياً مع المقولة المنسوبة إلى "فرنسيس بيكون Frances Bacon" (ت. 1626م)، أحد روّاد الثورة العلمية: "المعرفة قوة" (باللاتينية: Scientia Potentia Est)، فقد أدّى الفكر العلمي العقلاني، بعد التحامه مع الثورة الصناعية، إلى تمكين البشر، وإلى جعلهم أقْدَرَ على التحكم بالقوة المادية وتكثيفها باعتبارها، وبغضِّ النظر عن الحُكْمِ القِيَميِّ والأخلاقي، ركناً من أركان المنظومة البشرية القائمة (اختراع الطائرة، الاتصالات، الأسلحة الفتاكة إلخ).
وإذا ما تجاوزنا نقد الحداثة (وهو نقدٌ مشروعٌ ومُلِحٌّ يحتاج تفصيلاً في مقامٍ آخر) فإن من الواضح أن الحداثة قد خلقتْ فرصاً مفتوحةً، نِسْبِيّاً وظاهرياً على الأقل، أمام شرائح أوسع من الناس كي يُقَارِبُوا الحياة وِفْقَ رؤىً غير تقليديةٍ، وكي يحظوا بفُرَصٍ تعليميةٍ أفضل (بالمقارنة مع ما كانت عليه الحال قديماً).
بكل الأحوال فقد جاء التغيير الحداثي كنتيجةٍ لصعود فئاتٍ مستجدةٍ من النخب غير التقليدية: "النخب الفكرية" (أو ما يدعى بفئة المثقفين) التي اقتحمت الشأن العام، لتدخل في منافسةٍ مع "النخب التقليدية" الممسِكَة بزمام القوة والثقافة السائدة. هذا ما نراه في شكلٍ خاصٍ مع ظهور دعاة الإصلاح الديني، وبعدها مع ما يسمى بالمفكرين الأحرار، والموسوعيين الأوروبيين. ومع أن القائمين على مثل هذه الدعوات الحداثية كانوا محسوبين، في المراحل الأولى، على "النخب التقليدية"، أي لم يكونوا من الطبقات المسحوقة (التي فُرِضَ عليها أن تكون مسحوقة)، إلا أنهم اقتحموا الشأن العام بطريقةٍ غير تقليديةٍ؛ سواء عبر التعاون الانتقائي مع "نخبٍ تقليديةٍ" ذات ميولٍ تنويريةٍ، أو عبر الدعوة إلى قطيعةٍ راديكاليةٍ مع تلك "النخب التقليدية".
وفي كلتا الحالتين فقد فرضت "النخب الفكرية" نفسها كتهديدٍ حقيقيٍّ لمنظومة "ما قبل الحداثة" وللقائمين عليها من "نخب تقليدية" وذلك على مستويين: الأول عبر طرح مفاهيم وأفكار "لا مفكر بها" شَكَّكَتْ نقدياً بالمألوف والسائد، وغيّرتْ ثورياً نظرة الإنسان تجاه ذاته وتجاه الكون، أما الثاني فعبر المساءلة والسعي إلى تغيير احتكار المعرفة والاشتغال الفكري. فقد كان هذا الاحتكار سمةً بارزةً على مَرِّ التاريخ، حين كانت الجموع أسيرةً "لنخبٍ تقليديةٍ" تمتلك القوة، وتُكَبِّلُ العقل، وتقمع الفكر والحريات حفاظاً على امتيازاتها. وقبالة كل هذا، أتاح التفكير الحر والمنهجي والنقدي فرض تهديدٍ حقيقيٍّ، وغير مسبوق، لحالة التطابق والتماهي التي سادَتْ تاريخياً بين "النخب التقليدية" و"الاشتغال الفكري".
وكما هو متوقعٌ، وبدلاً من الإذعان للتبدلات التي كانت تنمو في شكلٍ حثيثٍ في سياق التغيير الحداثي، مَالَتِ "النخب التقليدية" إلى عدم الاعتراف بهذه التبدلات، وعَمَدَتْ جاهدةً إلى التمسك بامتيازاتها وتكثيف امتلاكها للقوة، عبر اتخاذها موقفاً رافضاً في وجه دعوات التغيير. وهكذا نشأتْ، نتيجةً للصدام بين المواقف المتناقضة، بين رفض التغيير والدعوة إليه، بين "النخب التقليدية" و"النخب غير التقليدية"، بين القديم والجديد، بين ما قبل الحداثة وما سيسمى لاحقاً بالحداثة، نشأت "حالةٌ برزخيةٌ".
انطلقت في سياق "الحالة البرزخية" المذكورة مواجهةٌ بين القائمين على كلٍّ من المنظومتين، حيث ووجهت دعوات التغيير بمواقف الرفض التي تقودها "النخب التقليدية" بمختلف أنماطها الدينية والسلطوية والأهلية وصاحبة رؤوس الأموال والثروة. وكان للنخب الدينية، بتماهيها مع السلطات، وباستغلالها لمشاعر الناس والتلاعب بها، دورٌ رئيسٌ في الإعلان والحشد لمواقف الرفض التي تعددت أشكالها: من الاتهام بالهرطقة والحرمان، والتكفير والتخوين، والاستهزاء والتشويه، وربط الاشتغال الفكري بالخروج على الدين أو التقاليد، وغيرها كثير.
وغالباً ما أدى الاحتقان الناتج من المواجهة إلى اضطرابٍ في "الحالة البرزخية"، مع انزلاقٍ للصراع الناجم إلى اقتتالٍ دمويٍّ ومتطرف، كما في محاكم التفتيش، والحروب الدينية الطاحنة التي اندلعتْ على خلفية الإصلاح الديني والإصلاح الديني المضاد (تحتاج هذه القضية نقاشاً في مقالٍ منفصل). ويمكن في هذا الصدد قراءة الثورات الكبرى في التاريخ الحديث، وما رافقها من حروبٍ وفظاعات، كتظاهرٍ للاضطراب في "الحالة البرزخية": اضطرابٌ نتج من تحول الصدام بين المتناقضات من الوضع الكامن إلى العلني؛ بين "النخب التقليدية" التي امتلكت المنظومة القديمة من جهة، وبين القوى التي تعمل كعرّابٍ لمنظومةٍ جديدةٍ تقطع مع الماضي من جهةٍ أخرى. وزاد تعقيد الصورة مع تحوُّل القائمين على التغيير الحداثي، للمفارقة، ومع مرور الوقت، إلى "نخبٍ تقليديةٍ" في هيئةٍ مستحدثة، ما عرّى الصراع المذكور من مرجعياته الأخلاقية والمبدئية، وحوَّله إلى صراعٍ على السلطة السيادية بين "نخبٍ تقليديةٍ" قديمةٍ و"نخبٍ تقليديةٍ" جديدةٍ تسعى كلٌّ منها إلى الاستفادة من الامتيازات واحتكار المعرفة والاشتغال الفكري والقوة بما يمكنها من الإمساك بالسلطة على حساب الشعوب.
وبالتوازي، وفي ردِّ فعلٍ على تَغَوُّل المادية العلمية التي رافقت التغيير الحداثي، نما صعودٌ ملحوظٌ، ومثيرٌ للاهتمام، في "الممارسات الغموضية occulticism" كامتدادٍ "للروحانيات mysticism" القروسطية: من سحرٍ وشعوذةٍ وتنجيمٍ وكهانةٍ وغيرها. ويبدو أن هذه "الممارسات الغموضية" قد تلاقتْ مع مصلحة "النخب التقليدية" في تلك المرحلة؛ عبر عزل المزاج العام عن الفكر العلمي العقلاني، وترسيخ الأمر الواقع، وتعزيز المواقف الرافضة للتغيير الحداثي.
وعلى النهج ذاته اتَّخَذَتِ "النخب التقليدية" في منطقتنا، التي تسمى تجاوزاً بالشرق الأوسط، مواقف رافضة للتغيير الحداثي بعد أن اعتبرته تهديداً لنفوذها. يضاف إلى ذلك أنها نظرت إلى هذا التغيير، الذي لم يكن ذاتي النشأة بل مستورداً، على أنه قادمٌ من "الآخر" المناقض للهوية. ومَنَحَ ما سبق مواقف الرفض زخماً، وشَرْعَنَها بناءً على حججٍ دينيةٍ أو قومية أو غيرها. فانتشرت الاتهامات بالتخوين، وفتاوى التكفير والتحريم، في تواطؤٍ بين مختلف أنماط "النخب التقليدية" ضد التغيير الحداثي تحت مسميّات البدعة أو الفتنة أو الحفاظ على الهوية. وهكذا غاب عن منطقتنا عاملٌ أساسيٌّ: هو "النخب الفكرية الحرة" والمنبثقة من الداخل، على حساب ظهور "نخبٍ فكرية هجينةٍ" مصابةٍ بالفصام، وتعاني عقدة نقصٍ تجاه "الآخر"، وتعيش وجودياً على ردود الأفعال: سواء عبر الوقوع الساذج في فخ المركزية الأوروبية، أو عبر القراءة الوردية والانتقائية للتاريخ والعودة إلى الوراء بغية إعادة تشكيل الماضي.
وكمثالٍ صارخٍ على مواقف الرفض تمكن الإشارة إلى واحدٍ من أهم الأحداث التي أثّرت سلباً في تطور الفكر في المنطقة: موقف "النخب التقليدية" في العصر العثماني الرافض للطباعة بالحرف العربي أو التركي (بعد اختراع الطباعة المنسوب إلى الألماني "يوحنا غوتنبرغ Johannes Gutenberg" (ت. 1468م))، وذلك اعتماداً على فتوى من بلاط السلطان بيازيد الثاني في القرن الخامس عشر (جُدِّدَتِ الفتوى في عهد ابنه السلطان سليم الأول). وقد سُمِحَ بطباعة الكتب غير الدينية بالعربية، ولأول مرةٍ في السلطنة العثمانية، في عهد السلطان أحمد الثالث عام 1728م، ولكن ذلك لم يستمر سوى لعقدٍ من الزمان قبل أن تُغْلَقَ هذه المطبعة. ولم تصبح الطباعة شائعةً في الأراضي التابعة للسلطنة إلا في القرن التاسع عشر، أي بعد ما يزيد على ثلاثة قرونٍ من اختراعها، ما خلّف فجوةً واسعةً ما زلنا نعاني من آثارها السلبية. يجب التنويه، على سبيل المقارنة، إلى أن استقبال الطباعة لم يكن سلساً من قِبَلِ "النخب التقليدية" الأوروبية التي لم تتردد على الإطلاق في قمع هذا الاختراع الجديد. لكن وجود حراكٍ فكريٍّ نَشِطٍ ومعارضٍ ومُتَنَامٍ ذي رؤيةٍ إصلاحيةٍ ساعيةٍ إلى التغيير كان له دورٌ حاسمٌ في مقارعة "النخب التقليدية"، والدفاع عن التغيير مبدئياً و/أو نفعياً (كانت الطباعة وسيلةً لنشر المعرفة وتوفير الكتاب الرخيص لعامة الناس، وأداةً لنشر الدعاية السياسية الأحادية -البروباغندا- إبان الحروب الدينية التي اجتاحت أوروبة).

وهكذا أدّى التغيير الحداثي (سواء كان ذاتي المنشأ أو مستورداً) دوراً محورياً في إطلاق مواجهةٍ بين القديم والجديد، بين احتكار الفكر أو مشاعيته، وإدخال المجتمعات في "حالةٍ برزخيةٍ" تضجُّ فيها المتناقضات وتجتمع فيها الأضداد. أسس ذلك لانزياحٍ تدريجيٍّ في قدرة "النخب التقليدية" على التحكم بالمعرفة والاشتغال الفكري: انزياحٌ من موقع الهيمنة السافرة إلى موقعٍ دفاعيٍّ يتبنى مواقف رافضة للتغيير الحداثي. ليغدو هذا الانزياح من موقع الهيمنة السافرة مُجَرَّدَ محاولةٍ يائسةٍ للحفاظ على الهيمنة السافرة بحدِّ ذاتها؛ عبر تحنيط الأمر الواقع أو إعادة إنتاجه كما كان، ودون أدنى اعتبارٍ للانزلاق المريع نحو مآلاتٍ عنفيةٍ، أو للكلفة الباهظة التي دفعها، وما زال يدفعها، الجنس البشري.

كتبٌ وإدمان: حكاية طفلٍ مع الكتب


كتبٌ وإدمان: حكاية طفلٍ مع الكتب

بقلم: طلال المَيْهَني



مذْ بدأتُ أَعِي وجودي على سطح هذه الأرض وأنا أذكر وجود خزانةٍ للكتب في منزلنا. كانت المجلدات تنتصب بصمتٍ محتلةً الرفوف، بأحجامها المختلفة، وبألوانها العديدة التي كانت تمتزج مع لون الخشب البني الغامق.
لم تكن الرفوف في تلك الفترة في متناول يدي، كما أن مهارتي المحدودة في التسلُّق كانت بالكاد تسعفني في الوصول إلى الرفِّ الأول: أنتشلُ منه كتاباً لأتربَّع على الأريكة، وأقلِّبَ الصفحات تلو الصفحات، ثم أتخيل نفسي أقرأ كما كان يفعل الكبار حولي، إلى أن تخبو روح الفضول، أو تبدأ برامج الرسوم المتحركة، أو يغالبني الجوع أو الملل أو النعاس.
لم يكن صعباً أن أستنتج أن بعض الكتب مُتْخَمٌ بالصور الملونة، في حين تندر الصور أو تغيب كلياً من كتبٍ أخرى كنت أسميها، في سِرِّي، بالكتب الحزينة لاتشاحها بالسواد. وكطفلٍ كان من البدهي أن أميل إلى الكتب المصورة والملونة: صورٌ عن الحشرات والحيوانات (وكانت تستهويني بشدة)، وعن الأطالس والأعمال الفنية من رسوماتٍ ومنحوتاتٍ وأوابد معمارية (بدأت أدرك معانيها، بعيداً عن الألوان والأشكال، بعد ان تجاوزت مرحلة الطفولة).
ومع مرور الوقت تعرفتُ على كل الكتب في الرفِّ الأول، وصار بعضها أداةً للترويح عن نفسي (كمعجم لاروس الفرنسي المليء بالصور)، ونشأتْ صداقةٌ متخيلةٌ بيني وبينها، حتى أني أطلقتُ على بعضها أسماء معينة (مثلاً سميتُ أحد الكتب باسم "نعمان" لأن لون غلافه مشابهٌ للون "نعمان" في "افتح يا سمسم"). لكن بقيت الرفوف العليا عَصِيَّةً عليَّ، وبقي الفضول يدفع بي إلى الوصول إليها واستكشافها دون جدوى، وسط غبطة والدي الذي كان يردد: سيغدو بمقدروكَ أن تصل إليها حين تكبر!
واستمر الوضع هكذا، بين تصفحٍ لكتب الكبار دون أن أفهم حرفاً أو قراءةٍ لمجلات الأطفال وبعض القصص القصيرة، إلى أن جاءت المرة الأولى التي حصلتُ فيها على هديةٍ لا تندرج تحت بند اللُّعَبْ. فقد كنتُ في الصف الثالث حين أهداني والديّ كتاباً لونه أصفر مخضر عن بحارٍ اسمه كريستوف كولومبوس (حصل أخي، وهو أصغر منّي بسنتين، على كتابٍ زهريٍّ عن ابن خلدون).
وأعتقد أن أهلي قد لاحظوا شغفي وشغف أخي بتلك الهدية، فعمدوا إلى إهدائنا كتاباً تلو الكتاب كلَّ شهر، شرط الحصول على علاماتٍ تامةٍ في الجلاء المدرسي. وهكذا مرَّتِ الشهور والسنين لتتراكم الكتب في خزانة كتبي الصغيرة: سلسلة أعلام خالدون، أعلام مبرزون، سلسلة الوقائع العربية والإسلامية، سلسلة أعلام الصحابة، سلسلة حياة الأنبياء، الموسوعة الطبيعية الميسرة، الموسوعة العلمية الميسرة (يضاف إلى ذلك كتب الألغاز مثل جماعة تختخ، والشياطين الـ 13، لكنها كانت تعتبر كتباً بقصد الترفيه وليس بقصد التثقيف).
وفي أيام العُطَل كنتُ ألازم جدِّي رحمه الله في منزله الفسيح والعتيق، حيث تنتشر الكتب منضدةً في كلِّ ركن، لتحتل رفوفاً واسعةً وعريضةً في خزائن عملاقة ومتعددة بعضها محفورٌ في الجدران. ولم أحتج إلى كثيرٍ من الوقت كي ألحظ أن خزانة الكتب في منزلنا، رغم حجمها الضخم بالنسبة لي في تلك الفترة، ضئيلةٌ بالمقارنة ما يحويه منزل جدِّي.
إلا أن الاكتشاف الأكبر الذي توصَّلْتُ إليه في منزل جدي هو أن للكتب رائحةٌ زكيَّةٌ! وأن اصفرار أوراق الكتب وقِدَم عهدها مرتبطٌ مباشرةً بعمق هذه الرائحة وزكائها! منذ تلك الأيام البريئة أضحى لرائحة الكتب موقعٌ في نفسي؛ فهي مختلفةٌ عن رائحة طعام والدتي اللذيذ وعن رائحة الوسادة المنعشة، تنفذ عميقاً في رأسي الصغير، وتخاطب ظمأً كامناً في مكانٍ ما في جوارحي. وهكذا بفضلٍ من الله، وفضلٍ من جدّي ووالديّ، وفضلٍ من رائحة الكتب: صِرْتُ مُدْمِناً على الكتب، ومواظباً على هذا الإدمان، الذي ما فتئ يستفحل دون أملٍ في الشفاء، وأنا في الثالثة والثلاثين.

قراءات في تاريخ العلوم: كتاب الشكوك على جالينوس – 2



عرض الرازي في مؤلفه عدداً من كتب جالينوس؛ ككتاب البرهان، وكتاب منافع الأعضاء، كتاب في آراء أبقراط وأفلاطون، وكتاب حيلة البرء، وكتاب العلل والأعراض، وكتاب تقدمة المعرفة وغيرها.


وبالتمعن في الأفكار التي عرضها كتاب الشكوك يبدو لنا أن جلَّها منضوٍ تحت باب التنظير: من انتقاداتٍ عموميةٍ للألفاظ التي استخدمها جالينوس، أو لعدم وضوح بعض معانيها، إلى انتقاداتٍ للأسس والآليات النظرية للصحة والمرض، في حين لا نلحظ مثلاً نقداً لأفكار جالينوس في مجال الأعراض والعلامات المرضية والتشحيص، أو في مجال المعالجة ونوع الأدوية المستخدمة وطرق إعطائها. وهنا نكون قبالة خيارين:
·   إما أن يكون الرازي مقتنعاً بكل ما جاء به جالينوس من ملاحظاتٍ سريريةٍ عملية، وهذا ما هو مستبعدٌ منطقياً. إذ يفترض فيمن يعيد النظر بالأسس النظرية للأمراض أن  تكون عنده أسبابٌ وجيهةٌ لذلك؛ كأن يكون قد وصل إلى تصوراتٍ معينةٍ بناءً على ممارسته العملية، وأن تسمح له تلك التصورات بإعادة النظر بالمبادئ.
·   أو أن يكون اهتمامه -في هذا الكتاب على الأقل- موجهاً إلى نقد أفكار جالينوس على مستوى التنظير، وإظهار قدرته الفلسفية على المقارعة والجدل، وهذا ما أميلُ إليه على رغم غياب الدليل الوافي. إذ لم يصلنا أن الرازي قد أفرد كتاباً خاصاً بالانتقادات العملية لجالينوس أو لغيره، على رغم أن مثل هذه الانتقادات مبثوثةٌ في كتبه الأخرى كموسوعة الحاوي.
ولكن بكل الأحوال، وبالعودة إلى متن النص التاريخي لكتاب الشكوك، فإني أرى أننا نقف أمام نصٍّ ثوريٍّ من حيث شخص كاتبه وعنوانه ومحتواه المفاهيمي والفكري. لكن لسوء الحظ، وكما حدث مع كثيرٍ من أعلام الفكر في منطقتنا، لا يبدو أن هذا الكتاب قد نال الحظوة الواسعة التي يستحق، كما أنه لم يستطع تأسيس مدرسةٍ فكريةٍ تقطع مع نمط التفكير التقليدي، فبقي أثره محدوداً في تلاميذ الرازي والحلقة القريبة منه وفي فترة زمنية لم تطل بعد وفاته. يشهد على ذلك العدد الضئيل للمخطوطات الباقية لهذا الكتاب في كل أنحاء العالم والتي لا تتعدى الثلاثة، ما يدل على أنه لم يكن متداولاً على نطاقٍ واسع. وقد يكون سبب ذلك القلاقل السياسية التي اجتاحت المنطقة بعد القرن الرابع الهجري، والاتهامات بالزندقة والإلحاد التي وُجِّهَتْ إلى الرازي وأثرتْ على تقبل أعماله الجريئة من قبل عموم الأطباء، أو لأن كتاب الشكوك قد احتوى على جرعةٍ عاليةٍ نسبياً من الخروج على المألوف لم تعهدها تقاليد ذاك الزمان ولم تتقبلها.
وقد قمتُ في عام 2004م بإجراء دراسةٍ سَبَرْتُ فيها كتاب الشكوك للرازي، واستخلصتُ وحللتُ ما عُرِضَ فيه من انتقاداتٍ لآراء جالينوس فيما يخص الجهاز البصري، وسأعمد إلى نشر نتائج تلك الدراسة باختصارٍ في مقالٍ منفصل.

قراءات في تاريخ العلوم: كتاب الشكوك على جالينوس – 1


(لكن صناعة الطب كالفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم، ولا مساهلتهم وترك الاستقصاء عليهم)؛ دَوَّنَ الرازي هذه العبارة في مقدمة كتابه المعنون بـ "الشكوك على جالينوس". وكما هو جَلِيٌّ من عنوان الكتاب، فإن محتواه مُنْصَبٌّ على نقد أفكارٍ سبق لجالينوس أن طرحها، لتتبناها أجيالٌ من الأطباء من بعده، وتأخذها كقانونٍ مُنْزَلٍ لا تجوز مساءلته. وتنبع أهمية الكتاب من كونه واحداً من الكتب الرائدة في الفكر العلمي النقدي في العصور الوسطى، عبر طرحه للتساؤلات والاعتراضات بعيداً عن أغلال التقليد الأعمى والنقل العقيم.
وعلمتُ أن الأستاذ مصطفى لبيب عبد الغني قد حقَّقَ الكتاب، ونشرته دار الكتب والوثائق القومية عام 2009م، إلا أني لم اطَّلِعْ على هذه النسخة المطبوعة. وقبله قام الدكتور مهدي محقق بتحقيقٍ أوليٍّ للكتاب (النسخ المخطوطة لكتاب الشكوك نادرة، وأعتقد أنه قد وصلنا ثلاث مخطوطاتٍ فقط). وقد تفضلت الدكتورة بثينة جلخي عام 2004م بإعارتي نسخةً غير كاملةٍ من الكتاب كانت قد أخذتها مباشرةً من الدكتور مهدي محقق.
وقبل عرض كتاب الشكوك لا بد من كلمةٍ فيما يتعلق بمنهج المحقق في النسخة المطبوعة التي وصلتني. فقد وجدتُ أن الباحث قد بذل جهداً طيباً في محاولة إزالة الإبهام وايضاح الغرض من المخطوطة، إلا أن هناك بعض الأخطاء، كما يُلْحَظُ غيابٌ للتعليقات والهوامش والشروحات، أضف إلى ذلك –على الأقل في النسخة المطبوعة التي كنتُ أعمل عليها- إغفال ذكر المخطوطات التي تم الاعتماد عليها أثناء التحقيق، وغياب المقابلة بين هذه المخطوطات، وأتمنى أن تكون نسخة الأستاذ عبد الغني عام 2009م قد تحاوزت هذه الهفوات.
أما بالنسبة لمحتوى الكتاب، فكما هو معهودٌ من الرازي وكتاباته، فقد كانت النظرة الموسوعية غالبةً على النصوص الواردة؛ فمن ملاحظاتٍ فلسفيةٍ، إلى مناقشاتٍ في فيزياء الزمان والمكان، تتبعها أفكارٌ طبيةٌ، وأخرى مرتبطةٌ بالمنطق، لينتقل بعدها إلى نقد مبدأ الهيولى قبل أن يستأنف حديثه في الطب. وهكذا تمضي السطور وراء السطور متزاحمةً ومتلاحقة، دون فقراتٍ أو عناوين أو فواصل واضحة (في ذلك الزمان لم يكن التبويب وتقسيم النص إلى فقراتٍ وعناوين فرعية معروفاً كما نعهده في أيامنا). 
ومن الناحية اللغوية تبرز ركاكةٌ ظاهرةٌ في متن النصوص وسبك العبارات، مع تغايرٍ في الأسلوب في بعض المواضع، ما قد يدلُّ على كون المخطوط قد امتدَّتْ إليه الأيدي بالزيادة والتغيير، أو أنه منقولٌ أصلاً عن مسوداتٍ غير جاهزة، أو أن ما قد كُتِبَ قد كان عبارةً عن جمعٍ من بعض تلاميذ الرازي، وقد يكون ذلك في فتراتٍ مختلفةٍ وبأيدٍ متعددة. وإن مثل هذا الأسلوب غالبٌ على معظم كتب الرازي، ويبدو جَلِيّاً في موسوعته الشهيرة المعنونة بـ "الحاوي". وأغلب الظن أن مَرَدَّ ذلك هو أن بعضاً من كتب الرازي قد تم جمعها من قبل تلاميذه اعتماداً على مسوداته التي خلفها بعد وفاته، فالرازي كان عالماً غزير الإنتاج والتدوين، وقد يكون لتلك الغزارة دورٌ في أنه خلَّف كثيراً من المسودات والملاحظات المحتاجة إلى الترتيب والتنظيم دون أن يتاح له الوقت لذلك.
هذا من ناحية المحتوى العام وأسلوب السبك والتعبير اللغوي، فماذا عن المنهج الذي اتبعه الرازي في عرض أفكاره النقدية؟ يبدو أن الرازي قد اتَّبَعَ في كتابه منهجاً نقدياً واضحاً ومميزاً، فعمد إلى مناقشة كتب جالينوس واحداً تلو الآخر، مبيناً ما ورد في كل ِّكتابٍ لجالينوس من تناقضاتٍ ناقض بها نفسه، أو ما ظهر من مغالطاتٍ ثبت للرازي عكسها بالتجربة أو المحاكمة أو التوسُّم. وغالباً ما نلحظ أن الرازي يبتدئ بطرح مقولة جالينوس، ثم يعقِّبُ عليها بمقولاته ناقداً ومدافعاً عن نقده. حتى أنه كان حاداً في نقده في بعض المواضع، كما يتبين لنا من قراءة بعض العبارات المسطورة، وأضرب عليها مثلاً قول الرازي معلقاً على أحد أقوال جالينوس: "فقُبْحُهُ وشَناعَتُهُ ظاهرٌ بَيِّن"، أو في قوله: "إن هذه النتيجة مُدَلَّسَةٌ سوفسطائيةٌ، وإنه لم يأتِ البتَّة بالسبب الفاعل الموجب لكون هذه النتيجة، والشكُّ قائمٌ بعينه"، أو في قوله: "وإن لم يكن هذا منكراً فما في الدنيا منكر، وإن لم يكن قائل هذا هو الهامز الهاذي فما في الأرض هامزٌ ولا هاذي"، وذلك في معرض تهكمه وردِّه على مقولةٍ مماثلة لجالينوس. وكثيراً ما كان يلجأ الرازي إلى أسلوب الحوار النقدي؛ كأن يقول مثلاً: "وإذا قال قائلٌ كذا .... فإننا نقول كذا".
أما عن كتب جالينوس والأفكار العلمية التي تم نقدها ومناقشتها فلنا معها وقفةٌ في مقالٍ منفصل.

قراءات في تاريخ العلوم: مكانة جالينوس في تاريخ الطب المُدَوَّن بالعربية في العصور الوسطى


لا يمكن في هذه المساحة المحدودة إعطاء هذا العنوان ما يستحقه من العرض والنقاش، بخاصة إن وضع في سياق التمازج والتبادل الثقافي في حوض المتوسط.
فقد احتل النتاج الفكري الإغريقي، منذ بدء حركة الترجمة، مكانةً متميزةً في الثقافة العربية والإسلامية في العصور الوسطى. وقد وجد هذا النتاج تربةً خصبةً سمحت له بالازدهار في ظلِّ تمازجٍ ثقافيٍّ نشطٍ، مستفيداً من الانفتاح على المعرفة في الإسلام المبكر.
وكان من نتيجة حركة الترجمة، وبخاصة في صدر العصر العباسي، أن حصل تراكمٌ معرفيٌّ هائلٌ للنتاج الفكري الإغريقي في مجالات الفلسفة والمنطق والطب وغيرها. ترافق ذلك مع انصهارٍ مع الأفكار السائدة في المنطقة؛ فكان أن نتج مسارٌ علميٌّ ذو محاولاتٍ توفيقيةٍ من زاوية الفكر الإسلامي (الذي كان حينها في طور التشكل). واحتلت كتب جالينوس موقعاً خاصاً بين الأطباء الذين عمدوا إلى الإعلاء من مكانته تمشياً مع عادة أبناء ذلك العصر مع كلِّ من سبقهم (حيث كان نقد المتقدمين والأوائل والآباء المؤسسين للحقل المعرفي عملاً مستقبحاً يقع في دائرة المحظور).

(رسم تخيلي لجالينوس تم إعداده من قِبَلِ فنانٍ مجهول بين عامي 1550م و1600م، من مقتنيات المعرض الوطني للبورتريه في لندن) 

ولد جالينوس Galen (128م؟ – 200م؟) في بيرغامون Pergamon الواقعة غرب تركيا، ثم سافر في تحصيل الطب والفلسفة إلى مدنٍ كثيرةٍ في قبرص وكريت والإسكندرية قبل أن يستقر في روما عام 162م. يعتبر جالينوس من أوائل من حضَّ على مراقبة الظواهر المتعلقة بالأمراض، كما عمد إلى تشريخ الحيوانات وجثث البشر (النقطة الأخيرة مختلفٌ عليها) ليدعم المعرفة النظرية بالتطبيق والمشاهدة الحسية والعملية. كما دشن جالينوس منظومةً منهجيةً في الطب سادتْ حتى نهاية العصور الوسطى، متخذاً من نظرية الأخلاط والأمزجة كأساسٍ لتفسير الأمراض ووصف علاجاتها. وما كان لهذه المنظومة أن تستمر لولا أن بعض كتاباته المهمة، والمجموعة ضمن الأعمال الجالينوسية Galenic Corpus، قد ترجمت إلى العربية، حيث شُرِحَتْ ونُقِدَتْ وزِيدَ عليها، قبل أن تُتَرْجَمَ مرةً أخرى إلى اللاتينية في بداية العصر الحديث.  
بالعودة إلى الطب في الثقافة العربية والإسلامية: فقد جاءت مرحلةُ النقد والإبداع بعد مرحلة الترجمة، مع ظهور أساطين الطب من أمثال ابن ربن الطبري صاحب كتاب (فردوس الحكمة)، وعلي بن العباس المجوسي الأهوازي مؤلف (كامل الصناعة الطبية)، وابن سينا صاحب (القانون في الطب)، وأبو بكر الرازي مؤلف (الحاوي). إلا أن الرازي قد تجاوز العرض والشرح والتوسع في أفكار جالينوس إلى النقد والنقض كما في كتابه المعنون بـ (الشكوك على جالينوس).
ويتبادر إلى الذهن هنا سؤالٌ: هل كان الرازي الوحيد الذي أفرد كتاباً خاصاً في الرد على جالينوس ونقده؟ أم أن هناك آخرون ساروا على نهجه النقدي؟
يتبين لنا، بالعودة إلى ما أثبته المؤرخون، وجود كتبٍ عديدةٍ تحمل في عناوينها ومتنها ما يدلُّ على أنها قد أفردت لنقد ونقض أفكار جالينوس (أو اشتملت على شيءٍ من ذلك). فعلى سبيل المثال فقد أفرد كلٌّ من الإسكندر الإفروديسي[1] ويحيى النحوي الإسكندراني[2] عدة مقالاتٍ في الردِّ على جالينوس، وكلاهما من المتقدمين على عصر الرازي. كما نجد كتاباً في الرد على جالينوس عند الفارابي[3]، وآخر لأحمد بن الطيب السرخسي[4]. هذا فضلاً عن العبارات النقدية المبعثرة في بطون الكتب الطبية التراثية.
كما نذكر أن هناك من دافع عن جالينوس، إما لقناعةٍ تتملكه بأنه على الحق، أو لاستحياءٍ من تخطئته باعتباره أستاذاً ومعلماً له؛ فمن الفريق الأول ابن زُهْر، وابن رضوان، ومن الثاني حُنَيْن بن إسحاق العبادي[5]، والذي كان قد وضع، على رغم شدة إعجابه بجالينوس، مقالةً في تبرير أخطائه بأسلوبٍ مهذبٍ. وقد كانت حجة حنين بأن جالينوس ما كان ليعتقد ما أورده من خاطئ القناعات، إلا أن ظروف عصره كانت تقتضي مثل تلك القناعات، وقد ذكر الرازي في سياق نقده لجالينوس رأي حنين وقدم نقداً لهذا النقد.
هذه المقالة لمحةٌ مبسطةٌ جداً إلى بعض الأطباء الذين كتبوا بالعربية ونقدوا النتاج الفكري لجالينوس في العصور الوسطى، وسأعرض في مقالةٍ قادمةٍ، وفي شكلٍ مختصر، لمحةً إلى كتاب (الشكوك على جالينوس) للرازي.




[1]  الاسكندر الإفروديسي: من علماء مدرسة الإسكندرية.
[2]  يحيى النحوي: من علماء مدرسة الإسكندرية.
[3]  الفارابي أبو النصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان (260-339هـ) (874-950م)، فارسي الأصل، ولد في مدينة فاراب في بلاد الترك، وخدم سيف الدولة الحمداني. توفي في دمشق. ابن أبي أصيبعة: ، الأعلام 7 : 20.
[4]  السرخسي: أبو العباس أحمد بن محمد بن مروان، طبيب من أبناء القرن الثالث الهجري، تولى الحسبة أيام المعتضد (ابن أبي أصيبعة: 293)
[5]  حنين بن اسحق العبادي (197-260هـ) (810-873م): شيخ المترجمين في عصره، كان تلميذاً ليوحنا بن ماسويه، ونال حظوة عند الخلفاء العباسيين. (انظروا الشطي: 214، ابن أبي أصيبعة: 257، الزركلي 2 : 287).