مقال منشور في صحيفة الحياة بعنوان: في الجدل الطبي حول زراعة الرأس/الجسد





طرح فيلم "الشيء ذو الرأسين"، من إنتاج عام 1972، فكرة وصل رأسٍ آدميٍّ مقطوعٍ بجسم شخصٍ آخر، ليتشكل كائنٌ بشريٌّ برأسين! يندرجُ موضوع الفيلم في باب الخيال العلمي، لكن لهذه الفكرة جذوراً في الميثولوجيا القديمة والسرديات الدينية. إذ كما تخبرنا الآثار التاريخية، فقد كان الإنسان مُولعاً بابتكار أنماط متخيلة من علاقة الرأس/الجسد: فعند اليونان القدماء نجد جانوس برأسين (أو وجهين)، وهيكاتي بثلاثة رؤوس، وعند الهندوس فالإله براهما بأربعة رؤوس، هذا فضلاً عن المخلوقات الأسطورية التي تملك رأس إنسان وجسد حيوان (كما في المانتيكور وأبو الهول)، أو العكس (أنوبيس والمينوتور مثلاً). وبعيداً عن الخيال العلمي والميثولوجي والديني، يحفل الأدب الطبي بحالاتٍ ولاديةٍ موصوفةٍ ونادرة لتوائم غير منفصلة، حيث يتبارز رأسٌ ثانٍ من الكتف أو الظهر أو الرقبة (كما في التوأم الأمريكي أبيغيل وبريتاني هينسيل).
في كل هذه الأمثلة تأخذ العلاقة بين الرأس/الجسد أشكالاً مخالفة للنمط الطبيعي الشائع، لكن يبدو أن هذه العلاقة على وشك أن تدخل مساراً مختلفاً وغير مسبوق؛ فقد أعلن الشاب الروسي فاليري سبيريدونوف (30 عاماً)، المصاب بداءٍ عصبيٍّ نادرٍ من الضمور العضلي، عن رغبته في أن يتم فصل رأسه عن جسده المشلول، ووصله بجسد متبرع. جاء هذا الإعلان الفريد من نوعه بعد أن أطلق الجراح سيرجيو كانافيرو، وهو من مركز الدراسات العصبية المتقدمة في تورين الإيطالية، مشروعاً طموحاً في مقالٍ منشورٍ في مجلة الجراحة العصبية الدولية عام 2013.
تناقلت الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي هذا الخبر بخليطٍ من التبسيط والتهويل، مشيرةً إلى أنه من المقرر أن يتم إنجاز العملية عام 2017. وكما هو متوقع فقد تناقضت ردود الأفعال والمواقف التي تراوحت بين الإيجابية والسلبية، والمتحمسة والرافضة. لكن بعيداً عن المفاجأة التي أثارها هذا لخبر المعاصر، فقد يكون من المفاجئ أكثر أن نعلم بأن الفكرة ليست بجديدة، إذ طالما كان الرأس البشري موضوعاً للفُضول العلمي. فمنذ اندلاع الثورة الفرنسية والاستخدام الواسع للمقصلة التي حصدتْ آلاف الرؤوس، برزت تساؤلاتٌ عن قدرة الرأس البشري المقطوع على الشعور، والبقاء على قيد الحياة والوعي بعيد انفصاله عن الجسد (وإن كان ذلك لثوانٍ معدودة). وقد لخّص الألماني صموئيل فون سوميرينغ هذه التساؤلات في رسالةٍ حظيت بانتشار واسع عام 1795، ما أدّى إلى إطلاق سلسلةٍ من الاختبارات بهدف الإجابة على هذا الانتقاد. ولعل أغرب هذه الاختبارات ما قام به الرسام البلجيكي أنطوان ويرتس في بروكسل عبر استخدام التنويم المغناطيسي كي يعيش "الحالة" التي يعيشها المحكوم بالإعدام لحظة انفصال رأسه.
لم يكن الهدف من هذه الاختبارات زرع الرؤوس المقطوعة، إلا أنها أشارت إلى أن إبقاء الرأس المقطوع حياً ممكنٌ –نظرياً- في حال تم توفير الدم والأكسجين. تبع ذلك محاولةٌ على يد طبيب الأعصاب تشارلز إيدوارد براون-سيكوارد الذي أجرى، في منتصف القرن التاسع عشر وباستخدام أنابيب بدائية، أول محاولة لإحياء رؤوس مقطوعة من الكلاب.
ومع مطلع القرن العشرين وتطور الجراحة الوعائية تمكن تشارلز غوثري من إجراء محاولات لزرع الرأس في حيوانات التجربة. إلا أن أهم الاختبارات في هذا المجال كانت قد أجريت في الاتحاد السوفييتي ضمن مشروع "تجارب في إحياء الكائنات الميتة"، حيث برز اسم رائد زراعة الأعضاء الجراح الروسي فالديمير ديموخوف الذي نجح جزئياً في الخمسينيات من القرن الماضي في "تصنيع" كلبٍ برأسين بعد زرع رأسٍ مفصولٍ من كلبٍ ثانٍ. أما الجراح الأميريكي روبرت وايت من كليفلاند، فقد أجرى عدة عمليات لزرع رأس قرد في جسد قردٍ آخر مع نجاحٍ مقبول، حيث استطاعت الرؤوس المزروعة أن تصحو من أثر المخدر، وأن تبقى على قيد الحياة لعدة ساعات.
بكل الأحوال فقد كانت عمليات الزرع المذكورة محكومةً بالفشل، لأنها أجريت في فترة لم تكن فيها الأدوية المثبّطة للمناعة متوفرة بعد (بدون إعطاء هذه الأدوية فإن عدم الانسجام بين الأعضاء سيدفع الجهاز المناعي للجسد إلى مهاجمة العضو المزروع، ما يؤدي إلى التهابه وتفسخه). لكن هذا الأمر قد تم تجاوزه الآن، بعد أن باتت مثل هذه الأدوية متوفرة على نطاقٍ واسع.
وبالعودة إلى خبر الشاب الروسي فاليري سبيريدونوف، فإن الدكتور كانافيرو، في سعيٍ لشرح تفاصيل العملية، يعتزم إلقاء محاضرة في مؤتمر الأكاديمية الأمريكية لجراحي الأعصاب والعظام في حزيران/يونيو القادم. وفي خطوة استباقية، تعبر عن عدم التأييد لخطة كانافيرو الطموحة، فقد أعلن رئيس الأكاديمية بأنها لا تتبنى آراء كانافيرو، ولكنها تعطيه الحق في استخدام منبرها كي يعبّر عن آرائه العلمية.
طبعاً تعترض مثل هذه العملية الكثير من العقبات التقنية، على مستوى الوصلات الوعائية وتبريد الرأس خلال فترة نقله من جسدٍ إلى آخر. إلا أن أكبر هذه العقبات التقنية تكمن في وصل النخاعين الشوكيين. صحيح أن الدكتور كانافيرو قد تحدث عن استخدام مواد حيوية جديدة كي تكون جسراً يصل النخاعين الشوكيين مع بعضهما، لكن فعالية هذه المواد غير مثبتة النتائج على المستوى السريري العملي بعد.
كما أن عقابيل العملية لا ترتبط فقط بحالة الشلل المتوقعة للجسد، وبالموت المحتمل للمريض فاليري، بل بالحالة التي يمكن أن يعيشها الرأس وهو مثبتٌ وحيداً على جسدٍ غريب؛ حالةٌ غير مسبوقةٍ من اللاانتماء، من الاغتراب البيولوجي، حالةٌ فريدةٌ في رعبها، وفريدةٌ بمشاعرها التي ستتدفق في رأسٍ واعٍ لكن غير قادر على الحركة.
هل نحن أمام عملية زرع رأسٍ في جسد؟ أو زرع جسدٍ في رأس؟ من هو الشخص الذي سيتكون كنتيجة لهذه العملية؟ ماذا عن هوية ذلك الشخص؟ ماذا عن وضعه القانوني والوراثي؟ ماذا لو بات قادراً على الزواج والإنجاب؟ وماذا لو تم تركيب رأس ذكر على جسد أنثى؟ أو العكس؟ هذه أمثلةٌ من الأسئلة التي تطرحها مثل هذه العملية التي لا تقتصر عقباتها على المجال التقني الطبي فقط، بل تشمل مجالاتٍ أخلاقية وقانونية وفلسفية عميقة، ما قد يؤدي إلى إعادة تفكير جذرية في مفهوم الإنسان الحي.
لا تعلّق الأوساط العلمية آمالاً على نجاح مثل هذه العملية الإشكالية والطموحة، وذلك بسبب محدودية التقنيات المتوافرة في الوقت الحالي. لكن في لحظةٍ ما في المستقبل يمكن أن تغدو هذه العمليات جزءاً من الروتين الطبي في المجتمعات البشرية. ومع أننا قد لا نعيش لندرك تلك اللحظة، لكن المؤكد أن تلك المجتمعات البشرية لن تكون، في أي حال، مشابهةً لمجتمعاتنا الحالية التي ستصبح جزءاً من التاريخ. 
 لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا

التاريخ المثقوب




لقراءة المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا

يمارس هؤلاء الفتية، بوجوهٍ حنطيةٍ متغضّنة، دورهم بإتقانٍ على خشبة المسرح الصغير: إما قاتلٌ أو مقتول، أو ينتظرون كي يأخذوا في نهاية المطاف دور القاتل أو المقتول! لا يشترط في المقتول أن يموت حقيقةً، فالموت المجازي معروفٌ ومنتشر: إنسانٌ يتنفس ويأكل ويتغوّط ويتناسل، ولكنه في حُكم المقتول بالفقر والمرض والجهل والظلم والعسف. وبالتوازي لا يشترط في القاتل أن يتمتع (ويستمتع) بصناعة الموت الحقيقي، فهناك القتل المجازي: الذبح بنطق الكلمة، أو بالصمت عن الكلمة، أو بالعويل.
تكتمل أركان الحبكة التراجيدية حين يقفز القاتل والمقتول مُضَرَّجَيْن بالدماء على المسرح الصغير، المسرح الصغير موضوعٌ على خشبةِ مسرحٍ كبير، والكبير على خشبةِ مسرحٍ أكبر؛ وهكذا تتكاثر المسارح وخشباتها، وتنمو حجماً، تنمو ألماً، تنمو قهراً، رُغماً عن التاريخ والتجربة.
من مأساة المواطن السوري العادي في أصغر وأبعد بقعةٍ في سوريا، مروراً بالغليان الذي يكتسح منطقة الشرق الأوسط، والفظاعات التي ترتكب في إفريقيا وشرق آسيا وأمريكا الوسطى، يتابع الناس أخبار مجازر الأمس، وهم يترقبون أخبار مجازر الغد. وفي غمرة بقع الدم، وازدحام التفاصيل والأشلاء، ومع تبلّد الأحاسيس واعتياد التوحّش في عصر الديجيتال، نغفل عن إدراك ما تكرر ويتكرر دون أن نتعلم، وكأن الطبيعة البشرية مولعةٌ بخطيئة ابنيْ آدم الأولى. لكننا أيضاً نغفل عن مشاهدة الصورة الكبرى: فوسط كل هذا يبرز فراغٌ مخيفٌ؛ فراغٌ يلفُّ هذا العالم المعاصر بملياراته السبعة، ليترك آثاره على رقعٍ جغرافيةٍ اعتدنا على تسميتها بالدول الحديثة.
بدأت إرهاصات هذا الفراغ في الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي؛ حربٌ بين قطبين يتسابقان لنيل لقب الأكثر جنوناً وهيمنة. ومع بداية الثمانينيات حصل تقدمٌ لأحد القطبين، وبسقوط الاتحاد السوفييتي تم الإعلان عن الفائز، لنبدأ رحلة السقوط في الفراغ! في هذا الفراغ تحطمت الأحلام، بعد أن تحولت الأيديولوجيات الوردية إلى أنظمةٍ شموليةٍ بامتياز، وبدأ البائسون يدركون بؤسهم بشكل مختلف وأكثر عمقاً عبر إعلامٍ مسموعٍ ومرئيٍّ وإنترنت (لكن دون أن يملكوا طبعاً أي أدواتٍ لتغيير هذا البؤس). في هذا الفراغ تبرز "العولمة" كعنوانٍ عريض. إلا أن هذه "العولمة" التي أفرزت تشابهاً على مستوى المظاهر السطحية والاستهلاكية في "شموليةٍ ثقافية" عابرةٍ للحدود وعابرةٍ الهويات، قد أدّت إلى إيقاظ وصعود "ثقافاتٍ شمولية" عابرةٍ للحدود ومتقوقعةٍ على الهويات! وبين "شموليةٍ ثقافيةٍ" تفرض نكهةً واحدةً على شعوب الأرض، و"ثقافاتٍ شموليةٍ" تسعى إلى رفض هذا الوضع، طغى خطابٌ جديد ينفصل عن الدولة الحديثة، ليعود إلى ما قبلها موقظاً هوياتٍ أولية وما قبل حداثية. وفي خضم الأصوليات الصاعدة، وصراع الأيديولوجيات التي رحلت ولم ترحل آثارها، وحين يصل الترف والضجر واليأس والإحباط إلى مداه، فلا بد من حرب!
لا يختلف ما سبق عما حدث ويحدث في منطقتنا، فقد تدحرجت الأنظمة التقدمية، التي حكمتْ بالحديد والنار، دون أن تنجح بتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم لشعوب المنطقة، وها هي ترحل. تهاوت العروبة وضعفت الدولة الوطنية، وأفسحت المجال أمام صعودٍ غير مسبوق للسُّعار الطائفي، وبرزت أزمة الهوية كمصدرٍ لأزماتٍ تُدَمِّرُ المنطقة التي امتلأت باللاعبين والمرتزقة.
من سيملأ الفراغ؟ سؤالٌ قد لا نعيش كي نشهد جواباً له، ففي العالم المعاصر فراغٌ كبير، ثقبٌ يتوسع ليحاكي توسع ثقب الأوزون، وفي كلا الثقبين تكمنُ نهايةٌ تعيسة؛ ثقب التاريخ سيؤجج المزيد من العنف على يد من يهرول كي يملأ الفراغ مدفوعاً بشهوة السلطة، وثقب الأوزون ينذر بكارثةٍ بيئيةٍ قادمة تصيب الإنسان والزرع والحيوان. نهايةٌ تعيسةٌ تقترب وسط حالةٍ مخيفةٍ من اللامبالاة، تقترب دون أن نشعر بها، أو بالأحرى دون أن نرغب في أن نشعر بها، ودون أن تكون هناك نيةٌ بالحد الأدنى للتعامل معها على مستوى المنظومة الدولية القائمة.
أما منطقتنا (وهنا لا بد من تسجيل تحفّظٍ على "نا" الدالة على الجماعة) فستكون الضحية الأولى التي ستعلن تلك النهاية التعيسة، فهي المؤهلة أكثر من غيرها للانقراض بهدوءٍ دون أن يشعر بها، أو يتعاطف معها أحد.

حين يغدو التمرد ترسيخاً للمنظومة




للاطلاع على المقال من موقع الصحيفة يرجى الضغط هنا

لفتني في تلك الساحة الأوروبية، حشد من الشابات والشبان مع لافتات كُتبَ عليها: «عناق مجاني» (free hug)، وذلك في إطار حملة عامة يقوم بها بعض الناشطين. والهدف من الحملة كما هو واضح من عنوانها تقديم «عناق مجاني» لمن يرغب من المارة.
الفكرة لطيفة وطريفة، حيث تأتي هذه الحملة السنوية، التي أطلقها الأسترالي جوان مان عام 2004، كمحاولة للرد على وحشية المنظومة الاستهلاكية القائمة، تلك المنظومة التي تغوّلَت ماديتها حتى طَغَت على العواطف البشرية، ما أدى إلى انتشار الأنانية، وتحوّل البشر إلى مجرد أرقام في حسابات السوق التي لا ترحم. لكن، هل تحقق هذه الحملة الأهداف المرجوة منها باعتبارها حركة تمرد واحتجاج ضد الرأسمالية الغربية؟
في الحقيقة يخلق عنوان الحملة - عناق مجاني - حالة من التمايز والمقارنة مع «العناق المأجور»، أي مع ذاك العناق المترافق مع التزام المعانق تجاه من يعانق: الحبيب تجاه الحبيبة (والعكس)، أفراد الأسرة تجاه بعضهم، والعاهرة تجاه الزبون... إلخ، إذ وفقاً لفلسفة المنظومة السائدة، فالعناق دائماً مأجور ذو ثمن، بالتالي فهو ليس استثناء من حسابات الربح والخسارة: فالأم تعانق طفلها لأنها تسعى في اللاوعي إلى الحصول على السعادة، وفلان يعانق فلاناً لأنه يود الالتزام بالأعراف الاجتماعية أو بالمظاهر المتعارف عليها للتعبير عن الفرح والمودة، والعاهرة تعانق الذكر المجهول للحصول على المال.
إلا أن القائمين على حملة «العناق المجاني»، وعلى خلاف كل ما سبق، يقدّمون فرصة للعناق من دون أي التزام عاطفي أو اجتماعي أو مادي! هنا يُفترض أن يغدو العناق رمزاً لإعادة الدفء إلى العلاقات الاجتماعية الهشة، من دون أية قيود أو اعتبارات قَبليّة أو بعدية. لكن ما يحدث هو أن هذا العناق، الذي يتطلب فقط التوافق الآني التالي - المرافق لرغبة في ممارسة «العناق المجاني»، يتحول إلى تعاقد عابر، وشراكة لحظية تأخذ قيمتها في - من لحظة العناق، وتفقد قيمتها في - من لحظة انتهائها، لتنفرط إلى ما كانت عليه قبل بدئها! وبين هاتين اللحظتين تبرز صورة تذكرنا تماماً، وفي شكل صادم، بحركة السوق التي تشكل محور المنظومة الرأسمالية! يلتقي العملاء، يتبادلون التحية، وقد يبتسمون ويطلقون النكات، ثم يتم توقيع العقود، ربما مع مصافحة وابتسامات أمام الكاميرات، ثم يغادر كلّ في سبيله. العملاء «كأفراد ذوي عواطف وانفعالات وأحلام وآلام» لا أهمية لهم، فكل ما يهم هو الصفقة! وبهذا تقع الحملة في فخ المنظومة، لتسير تماماً وفق قواعد السوق: تتم تعرية العناق من محتواه العاطفي، فيصبح مجرد فعل عابر في لحظة زمنية عابرة يلتقي خلالها المتعانقون كي يغادروا، من دون أن يترك العناق أثراً يتجاوز اللحظة!
هكذا نقف قبالة «تناقض متأصّل»، إذ تتحول الحملة إلى ترسيخ غير مباشر للمنظومة القائمة، عوضاً عن أن تكون ضد المنظومة القائمة وما خلّفته من آثار (توتر واكتئاب وأنانية وعلاقات اجتماعية باردة... إلخ).
قد لا يكون القائمون على هذه الحملات واعين لهذا «التناقض المتأصّل»، ربما لأنهم يعيشون ويفكرون ويطلقون حملاتهم من داخل المنظومة، وبناء على المناهج والقواعد الفاعلة داخلها. لكن تشكل هذا «التناقض المتأصل» لا يرتبط بالقائمين على فعل التمرد فقط، بل يرتبط أساساً بطبيعة المنظومة التي يتم التمرد عليها، بخاصة حين تستفحل تلك المنظومة وتتغوّل وتتجذر لدرجة تنعدم معها البدائل القادرة على اجتراح التغيير، ويغدو معها التمرد مُفَرَّغاً من محتواه، وهذه هي حال هذه الحملة الطريفة مع الرأسمالية الليبرالية الغربية.
في صورة مشابهة ومقارنة، ومع التسليم بالاختلاف الجذري في السياقات والظروف، يمكن القول أن هذه هي أيضاً حال «الربيع العربي» مع الأنظمة القائمة في منطقتنا. فقد غدا «الربيع العربي» مثالاً صارخاً للتمرد المجهض والعاجز عن إحداث التغيير الجذري، ليصب في نهاية المطاف في مصلحة الأنظمة القائمة. يضاف إلى ذلك خطر يكمن في تحول التمرد إلى حركة لإعادة إنتاج المنظومة القديمة، أو لتشكيل منظومة جديدة إلى جوار المنظومة القديمة («داعش» إلى جوار الأنظمة).
لا يمكن تفسير هذا الوضع المؤسف من دون الإشارة إلى الآثار العميقة والرضّية التي خلّفتها «الحداثة المبتورة» في البنية المجتمعية - الثقافية في منطقتنا. فقد خلق عصر السرعة عند الناس رد فعل جعلهم أكثر تعلّقاً برتابة العيش (ربما كمحاولة للهروب من إيقاع الحياة المتسارعة)، وأكثر اعتماداً على كينونات مجردة (كالدولة)، أو على مقاربة افتراضية تجاه العالم والإنسان (كـ «فايسبوك»)، كل ذلك على حساب إهمال الواقع الحقيقي المُعاش مادياً، وتهميش العلاقات الأهلية التي كانت تشكل حجر الأمان في المجتمعات التقليدية. وقد أدى كل هذا إلى الترويج لنمط جديد من الطوبى (المدينة الفاضلة): طوبى لا تؤمن بالتغيير، بل تقعد قانعة بالواقع القائم، على علّاته، توجُّساً من القادم، والتمسك بعدم التغيير خوفاً من التغيير، مع الاستمتاع المازوخي بحالة الركود.
وعملياً فقد عملت الأنظمة القائمة على تعزيز هذه الطوبى المستكينة والخاضعة، خصوصاً أن هذه الأنظمة لا تستمد قدرتها على البقاء من مشروعيتها أو قوتها الذاتية، بل من جمود الفضاء العام، ومن ملابسات الواقع المزري وتعقيداته الذي سيتشكل كنتيجة حتمية لأي محاولة للتمرد.
لهذا، لا بد من إعادة التفكير جذرياً في مفهوم التمرد وأساليبه، وتحريره من صورته النمطية التقليدية، وتحويله إلى تمرد قادر على التعامل مع المنظومة وتغييرها، بدلاً من السقوط في فخّ ترسيخ المنظومة وإعادة إنتاجها. ولعل السبيل إلى مثل هذا التمرد المنشود لا يمر عبر وصفات جاهزة، كما أنه لا يمر فقط عبر المسطرة والقلم، بل عبر تفاعل مجتمعيّ مؤلم ومكلف، يبتكر أساليبه الجديدة تدريجاً، ويتجاوز العقلية القديمة التي كانت واحدة من أهم أسباب نشوء المنظومة القائمة في الأصل. حينذاك فقط يمكن «الربيع العربي» أن يثمر، بدلاً من حالة «العناق المجاني» التي ترسخ المنظومة الاستبدادية القائمة.

أدلجة العسكرة في سورية - مقال منشور في صحيفة الحياة




للاطلاع على المقال من المصدر يرجى الضغط هنا

رَزَحَتْ سورية، على مدى عقودٍ من الاستبداد، تحت بروباغندا عنفيةٍ دأبتْ على أدْلجة السلاح، وتدجين السوريين على هذه الأدلجة بأساليب مستوحاة من الإرث السوفياتي العتيد. فقد اعتاد التلاميذ السوريون (وكنتُ منهم في الثمانينات والتسعينات) التوجّه إلى مدارسهم بملابس «الفتوة» المشابهة لملابس العسكر بسيدارات وأبواط سوداء، للوقوف صباحاً في طوابير مُعَسْكرة، وحضور حصصٍ «درسيةٍ» مخصصةٍ للتربية العسكرية، مع ترديد الشعارات، وحفظ أقوال القائد المُفَدّى الملهَم، فضلاً عن طقوس «طلائع البعث» و «شبيبة الثورة» والقفز عبر حلقات النار، والقتال بالسلاح الفردي والقفز المظلي، ومخيمات التدريب العسكري الجامعي إلخ.
كانت عسكرة الجيل الصاعد سرطاناً يكتسح العملية «التعليمية والتربوية»، ويفرِّغها عملياً من محتواها «التعليمي والتربوي». وحتى حين خفّت وطأة هذه البروباغندا على مستوى الممارسة، واختفت بذلة «الفتوة» الخضراء لتحل مكانها البذلات «المدنية» بألوانها الزرقاء والرمادية، حافَظَ الخطاب على طابعه المعسكر، وبقي شبحه مبثوثاً في أركان المدارس والمراكز الثقافية والمنابر الإعلامية، مُبَدِّلاً شعاراته من «الدفاع المشترك» إلى «الصمود والتصدي» إلى «المقاومة» إلى «الممانعة» وغيرها. كل ذلك بحجة إعداد شبابٍ تقدميٍّ يحافظ على الوحدة الوطنية، ويدعم حركات التحرر في العالم، ويواجه الإمبريالية والرجعية والاستعمار.
التقتْ هذه العسكرة الرسمية «العلمانية»، وفي صورةٍ لافتةٍ، مع إرثٍ متراكمٍ ومتخمٍ من العسكرة التراثية: العسكرة القادمة من عُمق التاريخ، من غبار القرون، من الماضي المُحْتَفَى به، لتجد حضوراً لها، بكلِّ براءةٍ، في حصص التربية الدينية، وعلى منابر الصلاة في بيوت الله، وفي حلقات ودروس الذِّكر، وعلى مستوى المجتمعات المحلية سواء كانت مهمّشةً أو مرفهة، فضلاً عن الحكايات والمرويات الشعبية التي تُعلي من بطولةٍ يصعب فيها عزل التاريخي عن الميثولوجي (حكايا أبي زيد الهلالي وعنترة، وقصص الصحابة والفتوحات).
في كلتا الحالتين، العسكرة الرسمية والعسكرة التراثية، يأخذ العنف موقعاً كرنفالياً جذّاباً، إذ تُسْبَغُ القداسةُ على فكرة القتل تحت رعاية السلطة السياسية/الدينية، ويُدْمَجُ المُتَعَالي مع نصل السكين وسبطانة البندقية، ويُهْدَى الدمُ البشري قرباناً لهدفٍ أسمى يتجاوز حدود المحسوس والمُعاش. وبوجود الديكتاتوريات المصابة بجنون العظمة في بلداننا الحزينة، غدا هذا العنف الكرنفالي ذا حضورٍ فانتازي مضاعف يختلط فيه تاريخ الفتوحات، ويُخْتَصَرُ في تاريخ القائد! وعليه تغدو حرب تشرين استرجاعاً لأمجاد حطين، ودمشق عاصمةً مشتركةً للأمويين ونظام البعث، ويغدو الحصان أداةً تجمع الماضي بدبابة الحاضر، وخطاب القائد تذكيراً بخطاب طارق بن زياد، أما السيف والعباءة فرموزٌ تعيد تشكيل مفهوم البطولة في أوسمة الجنرال: حبكةٌ قادرةٌ، على رغم ضعفها، على أن تنسف وعي أجيالٍ بأكملها، بعد أن تخلط المفاهيم في سرديةٍ تاريخيةٍ مفبركة، لتفرضها على، وتلوي بها، عنق التاريخ. بالتوازي مع هذه العسكرة الرسمية والتراثية، وطقوسها المقدسة أرضياً وسماوياً، نجد على المستوى الاجتماعي/الشعبي حضوراً للعسكرة الثقافية النفسية بطقوسها التلقائية، تلك التي تفرض ذاتها عفوياً على التكوين الذهني للمكونات السكانية في المنطقة، وتجعلها مهيأةً للخضوع للعسكرة ولتلقي وممارسة العنف، واعتبار كل ذلك وضعاً مُسَلّماً به لا تمكن مساءلته: بدءاً بفروض الطاعة العمياء على مستوى الأسرة والحارة والحي والجماعة، وليس انتهاءً بموروثات الاضطهاد الجندري والتحيز المناطقي والاحتقار المذهبي. ويمكن القول إن هذه العسكرة الاجتماعية كانت السبب في استفحال العسكرة الرسمية والتراثية، عبر تواطئها مع كلٍّ منهما، وخضوعها الطوعي المستكين لهما.
تضافرت أشكال العسكرة، الرسمية والتراثية والاجتماعية/الشعبية، لتشكل عمليةً معقدةً تختبئ خلف قناعٍ كثيفٍ من الخطابيات المُبْهِرَة التي تتلاعب بالمشاعر والعواطف، وتوقظ الغرائز، وتخدر العقول. وقد ترك كل ما سبق آثاره في عمق الذهنية الجمعية فارزاً، وعلى مدى مراحل تاريخية طويلة، كمّاً هائلاً من بذور الكراهية والعنف المكبوت، ذاك العنف غير المدَوَّن، وغير المترجم، وغير المُعَبَّر عنه في ممارسةٍ عنفيةٍ واضحة. وعلى سبيل المثال يمكن تتبع نتائج هذه العسكرة، وما فرزته من عنفٍ مكبوت، على المستوى الفني، في انحدار الذائقة الجمالية وبروز أعمال الدراما المحلية (التي تداعب الممارسات الاستبدادية السائدة المشبعة بالعنف والذكورة والعنتريات وتكسير الرؤوس)، وعلى مستوى الجنايات والجرائم (التي ارتفعت وتيرتها في المجتمع السوري في العقد الأخير)، وعلى مستوى تعامل الناس في حياتهم اليومية (حيث غدت التعاملات أكثر ضيقاً وتذمراً وأقل تمدناً).
لقد عمل هذا العنف المكبوت، وهذا الالتزام المُصْمَت بثقافة العنف (بالتآزر مع عنف الثقافة) الخارجة عن الإرادة الفردية، وهذا التَّمَوْضُع الهرمي الصارم لعلاقات القوة، على تدجين إرادة الفرد وقمعها وترويضها وتسخيرها في سبيل غاياتٍ تُصَوَّرُ على أنها غاياتٌ عظمى، كما عمل على خلق كمونٍ عنفي كبيئةٍ جاهزةٍ تنتظر اللحظة كي تتفجر.
بأخذ هذه العوامل وتراكماتها وتشابكاتها التاريخية في الاعتبار، يمكن إلى حدٍّ ما تفسير جوانب من العنف المهول الذي اكتسح المشهد السوري خلال السنوات القليلة الماضية. لكن ما تغير الآن، في سياق المأساة التي تطحن سورية، أن الممارسة العنفية (والبروباغندا العنفية التي تقف وراءها) خرجت من نطاق الفكرة، ولم تعد مقتصرةً على الخطاب، كما لم تعد مُلْكاً حَصْرياً للنظام فقط، أو حِكْراً على أجهزة الدولة التي يفترض أن يتم بناؤها. فقد تجاوزت الممارسة والبروباغندا العنفية كل ذلك لتصبح بضاعةً مشاعيةً معروضةً للتداول، في سوق الدم السوري، من قبل أمراء الحرب وتجار الدماء والمتسلقين والأشقياء. نحن نعيش زمناً تدفع فيه منطقتنا ثمن الأدلجة العنفية التي عشّشت في مفاصلها، زمناً يهمّش البعد الإنساني في ثقافتنا، عبر ترسيخ عقليةٍ تؤمن بالعنف كهدفٍ تكتمل به الرجولة. فإنسان المنطقة لم يعد مجرد أداةٍ تهتف لتحيي الخطاب العنفي، بل بات قطعةَ سلاحٍ، وجسداً مقتولاً، وحطباً يحترق لتشتعل المحرقة. ومهما كانت هوية هذه المحرقة، بعثية أو إسلاموية أو قومية أو شيوعية، حالمة أو نفعية، فهي محرقةٌ تجتاح وتأكل كل من يقف في طريقها، تاركةً وراءها رماداً وقصصاً، وكثيراً من الآلام، وقليلاً من العِبَر.

دعوة للكتابة في مجلة دلتا نون



تدعو هيئة التحرير الكتاب والباحثين المهتمين إلى المشاركة في العدد القادم من مجلة دلتا نون (ربيع 2015). تستقبل المجلة كافة الكتابات التي تناقش علاقة الفكر بالشأن العام في سوريا والشرق الأوسط، كما هو موضح في دليل الكتابة في المجلة. كما سيحتوي العدد القادم على ملف خاص يناقش "الإسلام السياسي" على كافة المستويات؛ الاصطلاحية والتاريخية والفلسفية والاجتماعية والسياسية العملية وغيرها.
يذكر أن هيئة التحرير ستسعى إلى ترجمة بعض المواد لتكون متاحةً للجمهور الناطق بالإنكليزية، كما أن بعضها سيتم نشره في موقع "أوبن ديمكراسي" في سياق اتفاقية التعاون مع مركز دراسات الفكر والشأن العام.

يرجى إرسال المساهمات المكتوبة بالعربية أو الإنكليزية على الإيميل التالي editors@c-tpa.org علماً أن آخر موعد لاستقبال المواد هو نهاية كانون الثاني/يناير 2015.

خبراء وكتلة شحمية




خبراء وكتلة شحمية[1]

القرارات المصيرية تؤخذ في اللحظات المصيرية. تنفسوا الصعداء. أصرّتْ أم عصام على الوقوف، بعد أن رفضتْ دعوات أبو عصام للجلوس. كان الاضطراب سيد الموقف وهما يسترجعان الحوار الذي جرى قبيل دقائق:
-       أبو عصام ... ما رأيك؟
-       أعتقد أنه ممتاز ... ولكن رأيي ليس مهماً ... المهم أن نستمع إلى رأيهم
-       أرجو أن نخرج من هذا الاختبار العصيب بأقل الخسائر
-       أرجو ذلك يا أم عصام
-       وجهكَ شاحب
-       أنتِ أيضاً
-       لم أنمْ طيلة الليل ... أنا متوترة
-       لا أخفيكِ يا أم عصام ... لم أشعر بمثل هذا التوتر منذ زمن بعيد
-       ألومكَ يا أبو عصام
-       لأني قمتُ بدعوتهم على العشاء؟
-       أجل
-       يا أم عصام ... جاؤوا مؤخراً إلى هذه البلاد ... كما أننا لم نلتقي بهم منذ سنين ... كنا جيراناً كما تعلمين
-       ولكن يا أبو عصام كان يمكنكَ أن تخترع حجةً ما وتتملص من هذه الدعوة
-       هذا ما حصل يا أم عصام ... تفاءلي بالخير، فمن يدري فقد نجتاز الاختبار بنجاح
-       أبو عصام ... هل تعتقد أننا قادرون على ذلك؟
-       فليكن إيمانك بالله قوياً يا أم عصام
-       ونِعْم بالله ...
-       ومن ناحيةٍ أخرى فهم لا ذنب لهم
-       معك حق ... لا ذنب لهم يا أبو عصام ... (جرس الباب)
-       أم عصام ... استعدي ... يبدو ان ضيوفنا قد وصلوا ...

انطلق أبو عصام وهو يفرك يديه الباردتين باضطراب، كي يفتح الباب. فقد وصل المدعوون على العشاء. الشاب الحلبي برفقة أخته الشابة الحلبية. هما أبناء "أم عبدو" زوجة "أبو عبدو"، رحمهما الله.
تبادل الجمعُ التحيات والعبارات الودية، ثم مد أبو عصام ذراعه داعياً الضيوف للدخول إلى غرفة الضيوف وابتسامةٌ وَجِلَةٌ ترتسم على وجهه. ودّعْنا شهر رمضان الكريم منذ يومين، وها نحن نحتفلُ بعيد الفِطْرِ السعيد. بعد احتساء القهوة نادتْ أم عصام من المطبخ لتعلن أن الطعام جاهز، فانتقل الجميع ليجلسوا إلى الطاولة التي كانت تحمل ما لذَّ وطاب. كانت وليمةً عامرةً حاولت فيها أم عصام أن تُظْهِرَ كل ما تعلمته في عالم المطبخ.
أومأ أبو عصام بيده في دعوةٍ للضيوف كي يباشروا طعامهم. ودون مقدمات، غَمَسَ الشابُ الحلبي الجالس إلى زاوية المائدة، بجوار أخته الحلبية، مِلْعَقَتَهُ في الصحن المتوضع قبالته. ثم رَفَعَ الملعقةَ ببطءٍ وقد امتلأتْ بكَثِيبٍ مُؤَنَّفٍ من الطعام. أوْقَفَ الشابُ الحلبي المِلْعَقَةَ في منتصف المسافة التي تفصل بين الصحن وفمه، ليتأمل باحترامٍ بالغٍ الطعامَ المحمول على الملعقة والبخار الذي كان يتصاعد منه. ثم ما لبث أن أخذ فَمُهُ شكلَ حَلَقةٍ تامّةِ الاستدارة يخرجُ منها تيارٌ من الهواء كي يُبَرِّدَ الطعام الحار. أبو عصام مولعٌ بالطعام الحار، وأم عصام تعرف ذلك جيداً. وفي أقل من ثانية بدأتْ يد الشاب الحلبي التي تحمل الملعقة بالتحرك بهدوءٍ وسَكِينَةٍ باتجاه فمه الذي بدا منبسطاً ونصف مفتوحٍ هذه المرة. وبحركةٍ متماسكةٍ، تتصفُ بالمهارة والدقة والخبرة، انزلقتِ الملعقة في جوف الفم الذي أطبق عليها بإحكام، مع انتباجٍ في الخدين، ووضوح في العروق التي تعبر صدغه المتعرق الخالي من الشعر. "تساقط الشعر شائع عند شباب هذه الأيام". قال أبو عصام في سره وهو يتحسس صلعته. اختفت الملعقة في فم الشاب الحلبي. لم يَعُدْ يظهر منها سوى سُوَيْقَتُها البارزة من الفم، والمستندةُ برفقٍ على يده الواثقة. وبُعَيْدَ لحظةٍ خَرَجَتِ الملعقة فارغةً وهي تلمع بلونها الفضي، ليبدأ فمُ الشاب الحلبي بالتحرك ببطءٍ ماضغاً اللقمة المتشرّبة بالدسم واللحم. أعصابُ عائلة أبو عصام مشدودةٌ، وأفواههم مشدوهةٌ تُتَمْتِمُ ما تحفظه من أدعيةٍ وأذكار. عيون الشاب الحلبي مغمضةٌ في جوٍّ ثقيلٍ مُشْبَعٍ بالخرس. هو يمضغ. فجأةً توقّفَ عن المضغ. يبدو أنه بدأ بابتلاع اللقمة. هذا واضح من ارتفاع وانخفاض "جوزة الحلق/تفاحة آدم" المتبارزة من رقبته النحيفة المُزَيّنة بالعروق البارزة. اللقمةُ تتابع طريقها. تسيل ببطءٍ وإصرارٍ نحو الأسفل. تتدحرجُ على النسيج اللحمي الدافئ والمنبسط. تسقطُ مهشمةً، ممضوغةً، رطبةً، بلا رجعةٍ، في المعدة. ستمضي بعدها في رحلتها. إلى اللقاء.
 هدووووووء هسسسسسسس (هَمَسَ أبو عصام وهو يضعُ سبّابته بشكلٍ شاقوليٍ أمام فمه المزموم بإحكام لضمان لفظ حرف "السين" في كلمة هسسسسسسس). فالشاب الحلبي يُرَكّز. دعوه يركز. "هل أعجبكَ؟" سارعتْ أم عصام بالسؤال ... وفجأة وكزها أبو عصام "لحظة يا امرأة انتظري قليلاً ... إنه يركّز" ... همس أبو عصام، في حين تابَعَ الشاب الحلبي انغماسه في حالة التأمل الصامتة وكأنَّ شيئاً لم يَكُنْ. للحلبيين فلسفةٌ خاصةٌ في تَذَوُّق الأطعمة، ومهارةٌ استثنائيةٌ في تصنيف المذاقات والروائح والنكهات. قاموسهم المعرفي، في هذا المجال، قضيةٌ لا يمكن نكرانها أو إغفالها.
بلغ الاضطراب ذروته عند أم عصام وأبو عصام. أما الأولاد فقد غطّوا أعينهم جَزَعاً. سيصدرُ الحُكْم خلال ثوان. قال أبو عصام في سِرِّه: "إنْ لم يكن في الثانية القادمة ففي الثانية التي بعدها، أو في أسوأ الاحتمالات في الثانية التي تليها".
فجأةً فتح الشاب الحلبي عينيه. لم ينبس بكلمةٍ. لم يتنحنح. لم يتمايل. لم يسعل. لا أثر للمشاعر على وجهه الجامد. تحركت يده التي تقبض على الملعقة نحو الأسفل. غمس الملعقة، مرةً أخرى، في الصحن المتوضع قبالته. ترى هل يريد التأكد من أمرٍ ما؟ "ترى هل الطعام مالح؟" تسأل أم عصام في سِرِّها ... إنه يعيد الكَرّة، وها هي الملعقة تتجه نحو فمه، وتختفي في جوفه،تاركةً سويقتها البارزة ... ها هي الملعقة تخرج من جديد فارغةً وهي تلمع بلونها الفضي، ليبدأ الفم بعدها بالمضغ، والابتلاع. جوزة الحلق/تفاحة آدم ترتفع نحو الأعلى ثم تنخفض نحو الأسفل، في تواترٍ فريد، في تناغم. "تناول الطعام عند الحلبيين عبارةٌ عن ممارسةٍ موسيقية، عبارة عن موشح، أو مجموعةٍ من الموشحات، أو سلسلةٍ من القدود". قال أبو عصام في سره وهو يتأمل عملية المضغ والابتلاع عند الضيف.
وبثباتٍ بدأتْ ملامحُ ابتسامةٍ خفيفةٍ ترتسم على وجه الشاب الحلبي ... ورويداً رويداً بدأ عَرْضُ الابتسامة يزداد بتسارعٍ ملحوظٍ، وبصورة لا إرادية بدأ أبو عصام وأم عصام برسم ابتسامةٍ على وجهيهما، لكن ابتسامة الشاب الحلبي توقفتْ فجأةً في وسط المسافة قبل أن تتحول إلى ابتسامةٍ كاملة! فجأة صار وجه أبو عصام شاحباً. في حين أخذت أم عصام نفساً عميقاً مع غصة واضحة وقلقة. التفتَ الشاب الحلبي إلى الشابة الحلبية وقال: عزيزتي ما رأيك أن تُجَرِّبي؟ نظرتِ الشابة الحلبية بثباتٍ واضحٍ، هزّتْ رأسها، ثم تناولتْ الملعقة لتعيد الأداء الذي قام به الشاب الحلبي بحذافيره. هي تمضغ بهدوء. عيناها مغمضتان. كتلةٌ شحميةٌ ثخينةٌ تبرز من تحت ذقن الشابة الحلبية وتتكاملُ مع كتلتها الجسدية الممتلئة والمليئة بالمنحنيات. ومن الواضح أن المضغ يؤدي إلى اهتزاز تلك الكتلة الهائلة، وبشكلٍ متناغمٍ ومتماوجٍ مع حركة الفم وتقلص العضلات والتنفس. طبعاً كانت هذه الأفكار تجول في رأس أبو عصام الذي تلقّى، ودون سابق إنذار، ضربةً موفقةً من مِرْفَقِ أم عصام الأيمن، مع دعسةٍ لئيمةٍ على قدمه اليسرى. إذ يبدو أن أم عصام قد استطاعتْ، بحكم إتقانها للحاسة السادسة، أن تقرأ أفكار زوجها المسكين. كاد أبو عصام أن يصرخ، إلا أنه كَبَتَ ألمه مغمضاً عينيه، ومحاولاً توجيه أفكاره ليركز على الطعام الذي سيتم تقييمه خلال لحظات. وفي هذه الأثناء، توقفتِ الشابة الحلبية عن المضغ. وبدأتْ تبتلع اللقمة. بهدوء. بمقدارٍ عالٍ من التأني. بخليطٍ من الرفق والحنان والحزم. من الصعب متابعة مسار اللقمة ضمن رقبتها البضة والممتلئة والتي تبدو للمراقب وكأنها غير موجودة: وكأن رأس الشابة الحلبية مستمرٌ مع جسدها دون حاجةٍ إلى تلك المسافة الفاصلة التي تسمى بالرقبة؛ لوهلةٍ يمكن القول أن الرقبة عبارةٌ عن عضوٍ زائد عن الحاجة! فتحتِ الشابة الحلبية عينيها، وسارعتْ بالنظر إلى الشاب الحلبي. هزَّ الاثنان رأسيهما بهدوء وكأنهما قد توافقا على فكرةٍ معينة. "لدى الحلبيين قدرةٌ هائلةٌ على تراود وتبادل الأفكار عن بعد خاصة إن تعلقت تلك الأفكار بقضايا المطبخ. أعتقد أن السبب وراثي". قال أبو عصام في نفسه، وهو يهز رأسه.
-       ألا يُذَكِّرُكِ الطعم عموماً بطبخنا حلب؟
-       أتفق معك ... هناك تشابهٌ لا بأس به
-       وماذا عن كمية الدسم؟
-       أعتقد أنه أشبه بطبخ السيدة ازدهار ... هل تذْكُرُها؟
-       طبعاً. لا يمكن أن أنسى طعم الكبة بالسماقية التي تعدها في المناسبات
تبع ذلك انفراجٌ في أسارير الضيفين بعد لحظاتٍ صعبةٍ من التركيز المهيب ... وتُوِّجَ ذلك بابتسامةٍ حقيقيةٍ وكاملةٍ على وجه الشاب الحلبي والشابة الحلبية.
-       اسمحي لي يا أختي أم عصام أن أنطق بالحكم بالنيابة عن كِلَيْنا
-       تفضل يا أخي
-       سلمتْ يداكِ يا أم عصام ... سلمتْ يداكِ ... الطعام مُتْقَنٌ ... فيه إشاراتٌ واضحة لنَفَس المطبخ الحلبي وخاصة طبخ السيدة ازدهار ... توازن السمن والدسم ملحوظ ... هناك انسجامٌ تامٌ بين المرق وباقي المكونات ... ومن الواضح أن الطعام مطبوخٌ بتقنيةٍ عالية ... كمية الملح والبهارات متوازنة ... أما الطعم فهو غير اعتباطيٍ على الإطلاق ... طعمٌ مدروسٌ ... يتلاعب في جوف الفم وينزلق على اللثة وحواف اللسان، ثم يهرول في الحلق، ويغرغر في الحشا، ليمنح المرء مذاقاً عميقاً مُحدباً مع لمساتٍ مُقعرة ضاربةٍ على الاخضرار ... لا يسعني في هذا المقام سوى أن أسجل إعجابي ... وعليه أُوَقِّعْ ...

قفز الأطفال فرحين ... وعانق الجميع بعضهم ... وهكذا عَمّتِ السعادة في أرجاء المنزل، وعاش أبو عصام وأم عصام في هناءٍ وسرور، وأنجبوا المزيد من الأطفال: صبياناً وبنات.


[1]  هذا عنوان رواية من تأليف الروائي الراحل عُبيدة قرقناوي (ت. ٢٠١٢). نشرت الرواية عام 2005 وحصلت على جائزة الإبداع الثقافي. النص مأخوذ مع بعض التصرف من المقطع الأخير من الرواية.