في هجاء الشعبوية - مقال منشور في ملحق نوافذ - جريدة المستقبل

في هجاء الشعبويّة

يقول "شيشرو Cicero" (ت 43 ق.م) خطيب روما الشهير في أثَرِهِ المُتَرْجَم بعنوان "في الجمهورية De Res Publica" أن: (الشأن العام هو شأن الشعب Res Publica, Res Populi)، لِيَسْتَحْضِرَ بذلك "الشعب populus" في سياق حديثه عن الحكم. انْتُزِعَتْ هذه العبارة من سياقها، وفي صيغةٍ مُطْلَقَةٍ دون تحديد، ليتم تسخيرها نظرياً، مع غيرها من آثار العصر الكلاسيكي، في خدمة الشعبوية التي كانتْ، على المستوى العَمَلِيّ، قضيةً إشكاليةً بامتياز. فمصطلح الشعبوية غير دقيق، والمعاني التي يحملها متضاربةٌ تتراوح بين الرومانسية الثورية والدُّونِيّة السياسية، لكن ما يجمع معظم دُعاة الشعبوية: مقاربتهم التبسيطية في استخدامهم لمفردة "الشعب"، وادعاؤهم أنهم صوت وصدى وضمير "الشعب"، هذا فضلاً عن احتكارهم لتمثيله دون أدنى مراعاة لمفاهيم التفويض والتعاقد السليم، وتركيزهم على خطابٍ عاطفيٍّ يفتقر للرؤى الواضحة، مع ترويجهم، المباشر أو غير المباشر، لعداء الفكر anti-intellectualism.
ويُظْهِرُ التحليل المنهجي عدداً من السِّمَاتِ والركائز التي يمتاز بها الخطاب الشعبوي؛ فهو خطابٌ مُبْهَمٌ وعاطفي، لا يعتمد الأفكار والرؤى، بل يميل إلى إثارة الحماس وإلهاب المشاعر، ليتماشى تماماً أو يتطابق مع المزاج السائد (أو المزاج التي يختاره صُنّاع الخطاب ليبدو على أنه سائد) دون أن يفيد، من ناحيةٍ أخرى، في التعامل الجدّي والمسؤول مع بلايا الواقع. ويُكْثِرُ الخطاب الشعبوي من التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور في شكلٍ مسرحيٍّ كرنفاليٍّ، مع الإحالة إلى التاريخ الذي يتم استحضاره واستخدامه كوسيلةٍ إيديولوجيةٍ ذات عمقٍ انفعالي.
ويختبئ الخطاب الشعبوي وراء مصطلح "الشعب" (أو الشارع) الذي يحتل، في أبعاده الميثولوجية والحقيقية، موقعاً أساسياً في مفهوم الدولة والأمة والاجتماع الإنساني، لكنه يبقى مصطلحاً مبهماً وغير مُحَدَّدٍ ما يجعله قابلاً للسرقة من قَبَلِ أصحاب المآرب والمصالح كما نُوقِشَ باختصارٍ في مقالٍ سابقٍ بعنوان: "سرقة الشعب في واضِحَةِ النهار" (ملحق نوافذ، صحيفة المستقبل، 24 آذار/مارس 2013). حيث تتم مقاربة "الشعب"، في السياق الشعبوي، في صورةٍ تبسيطيةٍ وتمجيديةٍ ورومانسيةٍ ومتجانسةٍ وشموليةٍ تُرَوِّجُ، على حدِّ تعبير عبد الإله بلقزيز، لـ "ميتافيزيقيا الشعب" الذي لا يخطئ، في سياق لاهوتٍ سياسيٍّ مُشَيَّدٍ ومُقَدَّس. توفر هذه المقاربة ملاذاً للهروب من حالة التشرذم والفساد الظاهرة، على مستوى "النخب الحاكمة" خصوصاً، مع إنكار ذلك في صفوف "الشعب" (أو الشارع). كما تنضوي هذه المقاربة على بُعْدٍ إقصائيٍّ صارخٍ، وعلى تذويبٍ واستلابٍ قسريٍّ للإنسان الفرد، الذي هو جزءٌ من "الشعب"، وتحويله إلى كائنٍ بلا قيمةٍ إلا عبر وجوده/فنائه في المجموع، أي في "الشعب". ويلتقي هذا المعنى التجريدي الشمولي للفظة "الشعب" مع الممارسة الاستبدادية التي تزيح الإنسان وتهمّشه على حساب مفاهيم مُجَرّدة، ليتحول إلى مجرد أداةٍ لتحقيق مآرب مستترةٍ وراء ألفاظٍ عموميةٍ أو مُشَخْصَنَةٍ كالأمة، والوطن، والقائد الرمز، والدين، والطائفة، والخلافة وغيرها.
ويمكن تصنيف الشعبوية في أنماطٍ متعددةٍ لها: النمط الأول هو الشعبوية المنتشرة والغائمة التي لا تحمل مشروعاً معيناً أو طموحاتٍ محددة، ولا تملك خطاباً أو صُنّاعاً لخطابها (كما حدث في تَمَرُّد الضواحي في فرنسا عام 2005، وتَمَرُّد لندن في بريطانيا عام 2011). والنمط الثاني فهو الشعبوية الكُتَلِيَّة الملتفة حول شخصيةٍ تتمتع بالكاريزما (أو هذا ما يعتقده أتباع هذه الشخصية على الأقل). والنمط الثالث فهو الشعبوية الكُتَلِيَّة الملتفة حول خطابٍ أيديولوجيٍّ اعتادتْ الأنظمة الاستبدادية على جعله أداةً للمزاودة لتبيع وتشتري به. أما النمط الرابع فهو سرقة "الشعب" شعبوياً عبر الوقوف مع "الشعب" في معارضة الأنظمة الحاكمة، والترويج لخطابٍ شعبويٍّ متعددٍ ومتناقضٍ. وقد عانَتْ من هذا النمط الأخير الانتفاضاتُ الشعبيةُ في سياق ما يصطلح على تسميته "بالربيع العربي".
إذ تشهد منطقة الشرق الأوسط انتفاضاتٍ شعبيةً في سعيٍ حثيثٍ إلى تبديل أنظمة الحكم الاستبدادية والمهترئة. وقد أفسحت حالة التصحر السياسي (التي حَرَصَ المستبدون على تَجْذِيرِها)، وغياب أو ضعف الحوامل السياسية/الاجتماعية، والطبيعة العفوية لهذه الانتفاضات، أفسحتْ كلُّ هذه العوامل المجال أمام صُنَّاع الخطاب الشعبوي، الذين لم يكن لهم دورٌ في إطلاق الاحتجاجات، كي يتدخلوا سلباً ويسرقوا "الشعب" خطابياً، بعد تعيين أنفسهم في دورِ المدافع عنه. ويمكن ملاحظة هذه الشعبوية الصارخة في المشهد السوري، أو في الدول التي نجحتْ فيها الانتفاضات في إزاحة رأس النظام الحاكم كمصر وتونس، أو مؤخراً في دولٍ عربيةٍ لم تشهد انتفاضاتٍ كالمغرب.
والشعبوية ليست بظاهرةٍ حديثةٍ فقد أخذتْ حضوراً واضحاً منذ أقدم العصور. إذ شهدتِ الإمبراطوريةُ الرومانيةُ صعودَ أباطرةٍ أو ضباطٍ شعبويين populare استخدموا قدراتهم الخطابية في تحريك "الجموع" عاطفياً، للوصول إلى مآربهم في التسلط الاستبدادي على الحكم. ويعتبر كل من "الأخوين غراكي Gracchi brothers" في روما القرن الثاني قبل الميلاد، و"يوليوس قيصر Julius Cesar" (ت 44 ق.م) من أبرز هؤلاء الشعبويين. كما تُمْكِنُ العودة بضعةَ قرونٍ إلى الوراء وتَتَبُّعِ الشعبوية في صورتها اليونانية القديمة في العقود الأخيرة من القرن الخامس قبل الميلاد مع صعود الديماغوجيين من أمثال "كليون Cleon" (ت 422 ق.م)، وانتكاس ديمقراطية أثينا، وما خَلّفَتْهُ من فوضى دفعتْ بأفلاطون وتلميذه أرسطو إلى نبذ (وحتى النظر بِدُونِيّةٍ) إلى "جموع الرعاع mobile vulgus"، وما ينتج عنهم من "حكم الرعاع Ochlocracy". وقد أثّرَ التخليط وعدم الوضوح في استخدام المصطلحات على مصطلح "الديمقراطية Democracy" الذي غدا سلبيَّ المضمون طيلة قرونٍ، ولم يأخذ موقعاً إيجابياً إلا مع صعود الدستور الأمريكي، وما تلاه من كتابات الفرنسي "أليكسي دوتوكوفيل Alexi de Tocqueville" (ت 1859 م) في القرن التاسع عشر.
ولم تكن منطقة الشرق الأوسط استثناءً من هذا، فقد اعتاد "الشعب"، وخلال قرونٍ، على أخذ دور الرعيّة وممارسة طقوس الطاعة والخضوع بإذعانٍ مطلقٍ للراعي/الحاكم، الذي يسعى بدوره إلى تعزيز تسلط نظام الحكم عبر استغلال البُنى التقليدية كالعشيرة والقبيلة، والإبقاء على الجهل والفقر في صفوف "الشعب"، والحفاظ على مزاجٍ سائدٍ يخضع للعادات والأعراف. وبتَصَفُّحٍ مُبَسّطٍ لأُمَّهات كتب التاريخ المُدَوَّنة بالعربية سنجدُ أن المؤرخين قد اعتادوا وصف "الشعب" بالرعاع أو السوْقة أو العوام أو الدُّون وغيرها من نعوت الازدراء التي توضَعُ في مقابل "النخب" من أهل الرياسة والسطان والعلم والحلِّ والعَقْد. لم يكن هذا الانشطار العنصري المُصْطَنَع خاضعاً لقواعد مؤسساتيةٍ ثابتةٍ كما كانتْ عليه الحال في أوروبة (التي ضَمَّتْ طبقةً رسميةً من النبلاء كانتْ قد تحالفتْ مع الكهنوت الكَنَسِيّ) بل كان مستنداً إلى اعتباراتٍ عائليةٍ وقَبَلِيّةٍ وطبقيةٍ بالتوازي مع أدلجةٍ للتأريخ وغَرْبَلةٍ للتاريخ المُدَوَّن، وممارسةٍ لطقوس التقرّب من الحاكم والحصول على ودّه (وهي علاقةٌ خاضعةٌ كُلّياً للمزاج وتقلّباته).
ومع قدوم عصر النهضة والتنوير الأوروبي وصعود الحداثة حَوَّلَتِ الثورة الفرنسية "عامة الشعب" من متفرجٍ إلى عنصرٍ فاعلٍ في المشهد العام، من خلال السعي نحو المساواة ورفض التمييز التَعَسُّفي بين البشر. وعلى خلاف الثورات الأنكلوفونية في بريطانيا أو الولايات المتحدة التي حافظتْ، في شكلٍ أو آخر، على مُكَوِّنٍ برجوازيٍ مُتَرَابِطٍ ومُنْسَجِمٍ مع الثورة، فقد اتبعت الثورة الفرنسية، في سبيل تحقيق المساواة المأمولة، مقاربةً راديكاليةً وشعبوية. ومع أنها أسّستْ لقطيعةٍ مهمةٍ مع الموروث الاجتماعي والفكري السائد في النظام القديم ancient regime، إلا أنها انزلقتْ في ممارساتٍ وسلوكٍ إقصائيٍّ وانتقاميٍّ فَقَدَ الكثيرون رؤوسَهُم بسببه، ما أفضى إلى عقودٍ من الاضطراب، وسمح بالنتيجة بظهور مستبدين جُدُد تسلّقوا على أكتاف "الشعب"، في "عصر الجموع" الذي تم فيه، في محاكاةٍ لقول "غوستاف لوبون Gustav le Bon" (ت. 1931م)، انتزاعُ الحقِّ الإلهيِّ من المَلِكِ وإلباسُه "للشعب" ليُضْفِي على ما يقوله "الشعب"، أو على ما يقال بلسان "الشعب" وبالنيابة عنه، قداسةً لا يُعْلَى عليها.
لقد اعتُبِرَ هذا التماهي العاطفي مع "عامة الشعب" علامةً فارقةً للثورة الفرنسية بعد إخضاعها إلى انتقائيةٍ وَرْدِيّةٍ تزيلُ عنها الوحشية التي سفكتِ الدماء طيلة عقودٍ من الزمان. وعلى رغم الاختلاف في الآراء حولها فقد تركت الثورة الفرنسية أثراً في مدارس فكريةٍ رئيسيةٍ في القرن التاسع عشر. ويمكن تَتَبُّعُ ذلك في الأُسُس الاقتصادية للبروليتاريا في الفكر الماركسي، ومفهوم الدولة في المثالية الألمانية. وأضحت الثورة الفرنسية أيقونةً ومصدراً لإلهام الحركات الشعبوية المعارضة التي رافقتْ ثورات 1844م، وصعود المد الشعبوي في روسيا وأوروبة الشرقية Narodniki، ودول أمريكا اللاتينية، والولايات المتحدة الأمريكية (الحزب الشعبوي الأمريكي في نهاية القرن التاسع عشر). كما تم تبنّي هذه النماذج من قِبَلِ حركاتٍ شعبويةٍ استغلّتِ "الشعب" خطابياً، لتنتقل، في القرن العشرين، من موقع المعارضة إلى موقع السلطة وتؤسس أنظمةً ذات سِمَاتٍ شموليةٍ وقوميةٍ وشوفينية: النازية، الصهوينة، الفاشية، الاتحاد السوفييتي، الناصرية، البعثية وغيرها كثير.
إلا أن هذه الحركات الشعبوية حملتْ في الغالب، وعلى النقيض من إلهام الثورة الفرنسية، أجنداتٍ يمينيةً محافظةً، تُكَرِّسُ القِيَمَ التقليدية المُنْغَلِقَةَ والرافضة للتغيير الحقيقي، والكارهة للأجنبي. وتتجلّى هذه القيم التقليدية في صورةٍ صارخةٍ في الشعبوية الجديدة التي تكتسح أوروبة منذ عقودٍ قليلةٍ (كالنازيين الجدد، والحزب الوطني البريطاني) لتعمد، عبر الاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة في عصر الديجيتال، إلى ترسيخ ما يسمى بديمقراطية المشاهدين والمستمعين، أو "ديمقراطية الجمهور audience democracy"؛ حيث يتم جذب وتجميع أصوات الناخبين وحشد الرأي العام، والتأثير عليه، عبر استغلال الإعلام والتَذَمُّر العام من البَطَالة والكَسَاد الاقتصادي، مع الدفاع الخطابي العاطفي عن المُهَمَّشين والمَحْرُومين كونهم من "الشعب". ولا تقتصر الشعبوية، في هذا السياق، على المجال السياسي بمعناه الضيق المرتبط بالحزبوية والوصول إلى السلطة، بل تتعداه لتشمل الفنون، والاقتصاد، والنظام التعليمي، والصحافة والإعلام، والأنماط الاستهلاكية، والفكر الديني وغيرها من مجالات النشاط الإنساني التي تتطابق، أو تسعى إلى أن تتطابق، مع ذائقةٍ جَمْعِيّةٍ متخيَّلَةٍ على مبدأ "الجمهور عايز كده".
هذا ما دفع بكثيرٍ من المفكرين السياسيين وعلماء الاجتماع والنقاد الحداثيين (كـ "ثيودور أدورنو Theodor Adorno" (ت. 1969 م) و"خوسيه أورتيغا ي غاسيه Jose Ortega y Gasset" (ت. 1955 م)) إلى نقد الشعبوية وقاعدتها المستندة إلى الجموع، وممارساتها المحصورة في التحريك الكتلي لهذه الجموع التي تعمد إلى تذويب الفرد، وإقصاء المختلف، والإعلاء من منطق اللامنطق. ويمكن تتبع جذور هذه الانتقادات، التي أسَّسَتْ مع بدايات القرن العشرين لـ "علم نفس الجماهير crowd psychology"، في المواقف السلبية المبكرة التي اتخذها المحافظون والليبيراليون الأنكلوفونيون من الثورة الفرنسية، ومن سار على نهجها، وما تلاها من عنفٍ وفوضى سياسيةٍ عمّت البلاد (صعود الديكتاتور البونابارتي، وكمونة باريس عام 1871م، وظاهرة الجنرال "جورج بولونجيه Georges Boulanger" (ت 1891م)، واحتجاجات العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر في فرنسا). لكن بعض هذه المواقف النقدية، وإن صحّت من حيث المبدأ، قد أخذتْ منحىً عنصرياً طبقياً مع تحيّزٍ على مستوى الجندر، وانطلقتْ من رؤىً شخصيةٍ مالتْ إلى تفضيل الديكتاتورية، ووقعتْ في فخ "النخبوية الاستعلائية"، وابتعدتْ عن المعايير العلمية الدقيقة (كما في كتابات غوستاف لوبون، و"سيبيو سيغل Scipio Sighele" (ت. 1913 م) المتأثر برائد علم الجريمة "سيزار لومبروزو Cezare Lombroso" (ت. 1909 م)).
لا تأتي معظم الحركات الشعبوية بجديدٍ بل تُكَرِّسُ الجمود في هويات اللاعبين في الوضع القائم، وتخلق هُوّةً مصطنعةً بين "الشعب" و"النخب" في استمراريةٍ لإرث العصور الوسطى الذي يهمش حضور "الإنسان". ولا تكتفي الشعبوية بخلق هذه الهُوّة والاحتفاء بها، بل تقوم بترسيخها وتوسيعها بحيث تؤدي إلى فصل "الشعب"، ليس عن "النخب الحاكمة" فقط، بل عن أي بنيةٍ سياسيةٍ أو فكريةٍ واضحة المعالم تتبنى خطاباً نقدياً مسؤولاً بحجة ابتعادها عن "الشعب". وتوفر هذه الهُوّة الفرصة لإلقاء اللوم وتعليق الأخطاء على "النخب" الشريرة التي تشكل مصدراً للبلايا، وذلك في انعكاسٍ لعدم قدرة صناع الخطاب الشعبوي على تحمل المسؤولية، أو كمحاولةٍ للتغطية على العجز عن مواجهة الواقع أو الفشل في تحقيق التطلّعات، أو لإعاقة المسير إلى الأمام تحقيقاً لمآرب ومصالح ومنافع معينة.
تجدر الإشارة إلى أن صُنَاع الخطاب الشعبوي الذي يتلاعب بالمزاج العام، هم بحدِّ ذاتهم محسوبون على "نخبٍ" استطاعتْ فَصْلَ نفسها عن "الشعب" لتعود وتَتَسَلَّلَ لتَدّعِي شعبوياً النطق باسمه. ويكشف هذا عن التناقض الصارخ للخطاب الشعبوي الذي يتجلّى في كونه خِطاباً تصنعه "نخبٌ شعبوية"، تدّعي عداء "النخب" ظاهرياً، إلا أنها تُعادي "الشعب" عملياً! قد يبدو هذا العداء بين الشعبوية و"الشعب" مفاجئاً للوَهْلَةِ الأولى، إلا أن التحليل الهادئ يُظْهِرُ العُنْصُرِيّة المتجذرة في اللاوعي لدى "النخب الشعبوية" التي تحتاجُ، من أجل ضمان استمرار خطابها الشعبوي العاطفي، وبقائها في مواقع صناعة هذا الخطاب، إلى "شعبٍ" في صورةٍ نمطيةٍ، وتحويل هذه الصورة إلى هويةٍ متجانسةٍ وانتماءٍ ثابتٍ وأزليٍّ/أبديٍّ وقائمٍ بِحَدِّ ذاته؛ "الشعب" مهمشٌ وبائسٌ ومحرومٌ وفقيرٌ وغير متعلم إلخ. تلعب هذه الصورة النمطية دوراً سلبياً وتشويشياً يضمن استمرارية التباكي، بدلاً من التركيز على كشف واجتثاث الظروف التي أدّتْ أصلاً إلى مثل هذه الصورة النمطية التي أُلْصِقَتْ بـ "الشعب"، ودون أن تسهم عملياً في أيِّ دورٍ تنويريٍّ يُفْتَرَضُ أن يتم الاضطلاعُ به. وسَتفْسَحُ مثلُ هذه الصورة النمطية المجالَ واسعاً أمام "النخب الشعبوية" كي تملأ الفراغ وتستغل "الشعب" وتنوب عنه وتتحدث باسمه، وتتعامل معه كمُجَرَّدِ وسيطٍ مُنْفَعِلٍ يحمل المعاني التي يراد له أن يحملها، والتي تُعَبِّرُ عن إرادة صُنّاع الخطاب الشعبوي، أي عن إرادة "النخب الشعبوية" التي احْتَرَفَتْ تخدير "الشعب" عبر إغراقه خطابياً بالأوصاف التعظيمية والتمجيدية.
لكن مهما تعددت هذه الأوصاف الرنّانة التي تُلْصَقُ بـ "شعبٍ" ما، فهو كغيره من "شعوب" هذا العالم التي خضعتْ لاستبدادٍ طويلٍ لعقودٍ وقرونٍ؛ مثقلٌ بالطموحات والأمراض، بالآمال والآلام، بالقيم الإيجابية والسلبية، بمَكَامِنِ العظمة ومَكَامِنِ الانحطاط، فيه الشريف والوضيع، وفيه المُحْسِنُ وفيه المُسيء. ولكن هذه الحقيقة، التي يجب الاعتراف بها ومواجهتها، لا تعني على الإطلاق تجريد "الشعب" (أي شعب)، كأفرادٍ وجماعاتٍ، من حَقِّهِ في أن يتخلص من الجهل والفقر، وأن يعيش بكرامةٍ وحريةٍ وازدهار، مع الاعتراف بكل ما يحويه من تناقضاتٍ ولا تجانس. إلا أنها تُلْفِتُ الانتباه إلى أن ترجمة الأحلام العظمى ليست بالمهمة السهلة، ولا يمكن لها أن تتم عبر خطابٍ شعبويٍّ يَمْتَهِنُ الكذب والتَمَلُّقَ والسباحة مع التيار والتغزل بالمزاج السائد، بل عبر الصدق والمصارحة والشفافية، وعبر العمل المُخْلِص لإزالة الصورة النمطية البائسة عن "الشعب" حتى لو خرج ذلك على المألوف؛ فالتغيير بالتعريف خروجٌ على المألوف، ولو كان المألوف مثالياً لما احتيج أصلاً إلى ثورةٍ، ولما تم السعي أصلاً نحو التغيير!
أخيراً، ليس العيب في أن يحمل "الشعب" آفاتٍ خلّفها فيه الظلم والقهر والاستبداد الطويل، لكن العيب في أن تنبري بعض "النخب الشعبوية" لتُنْكِرَ هذه الآفات، والعار في أن تصِرَّ هذه "النخب الشعبوية" على تمجيد هذه الآفات بعد إنكارها. أما أن تُمارِسَ "النخب الشعبوية" هذا الإنكار والتمجيد بصورةٍ روتينيةٍ، وأن تغدو ممارساتها قاعدةً ومرجعيةً للفرز والتخوين بحجة الدفاع عن "الشعب"، فهذه، في أحسن الأحوال، جريمةٌ في حقِّ "الشعب" الذي تدّعِي هذه "النخب الشعبوية" الدفاع عنه.

سرقة الشعب في واضِحَةِ النهار - مقال منشور في ملحق نوافذ - جريدة المستقبل


تُقَدِّمُ لوحة "الطابور الرابع Il Quarto Stato" للفنان الإيطالي "غويسيبي دا فولبيدو Guiseppe da Volpedo" (ت 1907 م) مثالاً شهيراً عمّا تحمله العقلية الجَمْعِيّة السائدة عن "الشعب". حيث تُرَكِّزُ اللوحة بألوانها البنية والرمادية، وبملامح الشخصيات الحزينة والغاضبة المرسومة فيها، على مظاهر الفقر والبؤس والشقاء والغضب، في تشكيلٍ للصورة النمطية "للشعب" وما يرتبط به من فنونٍ شعبيةٍ وفلكلورٍ وتراثٍ شفوي وعاداتٍ وتقاليد.


لم تَكُن هذه الصورة النمطية وليدة يومٍ وليلةٍ، بل حصيلةَ تراكُمٍ وتفاعلٍ وإقصاءٍ عبر العصور. فمنذ القِدَم، ومع ظهور حضارة الإنسان، في كثيرٍ من الثقافات القديمة كالسومرية والبابلية واليونانية، احتلَّ "الشعب" موقعاً أدنى في المجتمع بالمقارنة مع طبقات النبلاء ورجال الدين. إلا أن مصطلح "الشعب populus" أخذ، في العهود الرومانية، حضوراً رسمياً أكثر وضوحاً وأقل تمييزاً حيث كان يشار إليه في عبارة "الشعب الروماني الكُلّي Populus Romanus Universalis". وبعد تَبَلْوُرِ مصطلح "الشعب" في عهد الجمهورية الرومانية (بين 509 ق.م – 27 ق.م) أخذ هذا المصطلح انعطافةً بدمجه مع مفهوم السيادة (بصيغته المبكرة) في عهد الإمبراطورية الرومانية، وتَحَوُّلِه إلى جزءٍ من خطاب الأباطرة الشعبويين populare. إلا أن مصطلح "الشعب" بقي غير واضح المعالم، ومُبْهَمَ المعنى، وغير خاضعٍ للدراسة المفاهيمية والقانونية.
سقطتْ روما عام 476 للميلاد تحت ضربات القبائل الجرمانية، وانتقل مفهوم "الشعب"، بصورته الغائمة وجذوره الرومانية، إلى أوروبة المسيحية مع تَمَوْضُعٍ ثيوقراطي، وإحياءٍ لمفاهيم العهد القديم والجديد في "شعب الرب Populus Dei"، الذي كان قد رَسَّخَه "القديس أوغسطين St Augustine" (ت 430 م)، لتشيع بعدها حكمة "صوت الشعب هو صوت الرب Vox Populi, Vox Dei" (تُذَكِّرُنا العبارة بقصيدة أبو القاسم الشابي (ت 1934 م): "إذا الشعب يوماً أراد الحياة"). ومع احتكار الكنيسة لصوت الرب، غاب "الشعب" عن السياسة في العصور الوسطى إلى أن أعيد إحياء هذا المفهوم جزئياً في الغرب الأوروبي بعد العثور، عام 1070 للميلاد، على نسخةٍ من "الخُلاصة Digest" التي دُوِّنَتْ في عهد الإمبراطور البيزنطي "جوستنيان الأول Jsutinian I" (ت 565 م).
وتَغَيّرَ حضورُ الشعب تدريجياً مع صعود الأنْسَنْة وعصر النهضة، وما تلاه من ثوراتٍ في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا. وفي العصر الحديث، ومع ظهور الدول القومية في أوروبة، ابتعد مصطلح "الشعب" عن ارتباطاته الدينية أو عن التبَعِيّة العمياء للحاكم ليأخذَ معانٍ جديدةً باعتباره مجموعةً من السكان/الأفراد الذين يشتركون بتاريخٍ حقيقيٍ أو مُتَخَيَّلٍ، ويقطنون في حدود منطقةٍ جغرافيةٍ معينة (تسمى حالياً بالدولة الحديثة). يخلق هذا التعريف المُسْتَحْدَث إشكالاتٍ على مستوى الوعي الذاتي بخاصة حين تُحْدِثُ الحدود المصطنعةُ بين الدول قطيعةً مع الامتدادات الطبيعية "للشعب" عبر دول الجوار، أو خَلَلاً على مستوى السّردية الميثولوجية/الإيديولوجية المرتبطة بمفهوم "الأمة Nation" الذي يُرَكِّزُ على البعد القديم  "للشعب" الممتد عبر التاريخ مُشَكِّلاً وحدةً أزليةً/أبديةً، وركيزةً لا مكان فيها لاعتبارات العقل والزمن.
وما لبث أن تحول مفهوم "الشعب" إلى فكرةٍ عالميةٍ يناضل باسمها، وفي سبيلها، ومن أجلها، الجميع وبلغاتٍ تتراوح من people الأنكلوفونية وpeuple الفرنسية إلى volk الألمانية، وغيرها، مع تعددٍ واختلافٍ في المعاني الدقيقة التي تحملها هذه الكلمات.
أما في منطقتنا، التي تشيعُ فيها اللغة العربية، فقد احْتَوَتْ على تجمعاتٍ سكانيةٍ ومِلَلٍ ذات انتماءاتٍ دينيةٍ أو طائفيةٍ أو عِرْقِيّةٍ خَضَعَتْ وتَخْضَعُ، بالترغيب أو الترهيب، لسَطْوَةِ حاكمٍ مُسْتَبِد. ولهذا لم يَتَبَلْوَرْ مفهوم "الشعب"، الذي تم استيراده من الدول القومية في أوروبة منذ القرن التاسع عشر، في صيغةٍ مُتَوَافَقٍ عليها وإنْ بالحد الأدنى. ممّا أبقى مصطلح "الشعب" مُشَوَّشاً ومتقاطعاً مع مفاهيم الأمة، والعامّة، والناس، والمؤمنون، والرعيّة وغيرها، مع حضورٍ مفرطٍ للموروث الديني الذي لم يشهد حراكاً فكرياً حقيقياً منذ قرون. هذا مع أن كلمة "الشعب" (بصيغة الجمع: شعوباً) قد وردتْ في القرآن الكريم في معرض الحديث عن الناس. وحسب الزبير بن بكّار الأسدي (ت 869 م) "فالشعب" أعلى من القبيلة التي تتلوها البطن، فالفخذ، فالفصيلة، ممّا يعطي "الشعب" بُعْداً يتجاوز الرؤية القبلية التقليدية. أما ابن مَنْظُور (ت 1232 م) فقد نصَّ في "لسان العرب" على أن كلمة "شعب" تَحْتَمِلُ معنى التجمّع، ومعنى التفرُّق. ويمكن الحديث، بناءً على هذا التناقض بين التجمُّع والتفرُّق، عن مَعْنَيَيْنِ اثنين لمصطلح "الشعب"؛ إذ يمكن للمعنى أن يكون جَمْعِيّاً يشمل مجموع الأفراد المُشَكِّلِين "للشعب" (حين نستخدم هنا الضمير "هو" - "هو الشعب")، أو فردانياً يمثله آحاد الأفراد المتمايزين عن بعضهم (حين نستخدم الضمير "هم" - "هم الشعب"). ويبدو أن هذا الاستخدام المتبادل بضمير هو/هم أكثر وضوحاً في اللسانيات الأنكلوفونية، حسب الباحثة مارغريت كانوفان Margaret Canovan، حيث يمكن التعامل مع كلمة people ككلمةٍ مفردةٍ أو جمع people has/have.
يُؤَسِّسُ هذا الفارق اللغوي لمعضلةٍ في مقاربة مفهوم "الشعب" على المستوى النظري والعملي، ويشكل ذلك مَبْحَثاً من المباحث الأساسية في النظرية السياسية. إذ يتركُ التحديدُ اللغوي الدقيق لمعنى مصطلح "الشعب" أثراً على مستوى العلاقة بين "الشعب" والسلطة ومشروعيتها. نرى ذلك، على سبيل المثال، في نظرية العقد الاجتماعي التي بَلْوَرَها "روسّو Roussau" (ت 1778 م) في "الإرادة العامة Volonté Générale" بناءً على من سبقه من المُنَظِّرين الإنكليز من أمثال "لوك Locke" (ت 1704 م) و"هوبز Hobbes" (ت 1679 م)، أو على مستوى علاقة الشعب بالسيادة، وما يَتَفَرَّعُ عنها من "سيادةٍ شعبية"، نَظّرَتْ لها المدرسة "الجُمْهورياتية Repunlicanism"، في مقابل "السيادة البرلمانية" أو "السيادة المطلقة" أو "السيادة الذاتية" إلخ.
يجدر التنويه إلى أن تقييد "الشعب" في حدود الكلمة، وتحميل هذه الكلمة معنىً جَمْعِياً باستخدام الضمير "هو"، يعطي "الشعب" بُعْداً شُمولياً عبر تذويب مكوّناته وأفراده. وهكذا يكْتَسي مفهوم "الشعب" غموضاً يختصرُ الأفراد إجباريّاً، بهويّاتهم المختلفة والمتناقضة ومصالحهم المتضاربة، في "بَوْتَقَةٍ" واحدةٍ ككتلةٍ متجانسةٍ لا أثَرَ فيها للتنوع والاختلاف، ويؤدي إلى إسقاط مَعَانٍ سُكُونِيّةٍ جامدةٍ تُجَرِّد السكان من جمالية التعدد، وتضفي قُبْحاً رمادياً يدفعُ إلى تجميله بمَلاءَةٍ هُتَافِيَةٍ وخطابيةٍ مُجَوّفة.
كما تُنَاقِضُ هذه الرؤية الشمولية الحقوق الفردية والذاتية للأفراد المُشَكِّلين "للشعب"، ممّا يُحَوِّلُهُم إلى عناصر منفعلةٍ في كُلٍّ مُتَّسِقٍ ومتجانسٍ. وغالباً ما يتم لعب ورقة "الشعب"، بالمعنى الجَمْعي الكُلِّي، لضمان استمرارية التقاليد الاستبدادية "للإمبراطور الروماني Imperator" في ديكتاتورية النظم الاستبدادية في العصر الحديث. وهذا ما قد يُفَسِّرُ مَيْلَ الأحزاب ذات الإيديولوجيات الشمولية إلى التلاعب المُفْرِط بهذا المصطلح، كما حدث في التركيز الواضح للآلة الإيديولوجية البعثية على مصطلح "الشعب" الذي يوضع تحت رحمة الديكتاتور الوثن/الإله صاحب الأمر والنهي، وصاحب الحق في التحدث باسم "الشعب"! وقد يصل الأمر إلى اختصار "الشعب" في شخص الديكتاتور الذي يغدو، عبر انزياحٍ في ضمير الـ "هو"، مكافئاً "للشعب" وضامناً لاستمراريته عبر تجسيده للسيادة و تَحَكُّمِهِ في حق الحياة.
ومن ناحيةٍ أخرى تخلق المقاربة اللغوية لمصطلح "الشعب"، بمعناه الفرداني باستخدام الضمير "هم"، عَقَبَةً في طريق الترجمة العملية لكثيرٍ من المفاهيم السياسية الأساسية؛ كيف يمكننا، على سبيل المثال، تَخَيُّلُ "السيادة الشعبية" إنْ لم يكن الشعب كُلّاً واحداً؟ ماذا لو اختلف الأفراد المُكَوِّنين "للشعب" ورفضوا المساهمة في منح الشرعية السيادية والسلطوية؟ ألا يعتبر الأخذ برأي الأكثرية الانتخابية قَمْعاً "قانونياً" لرأي الأقلية الانتخابية؟ وتهميشاً لرأيها في عدم رغبتها بمنح الشرعية؟
وبعيداً عن الجدل اللغوي وآثاره النظرية والعملية المذكورة أعلاه، يُواجِهُ الحضور الحداثي لمصطلح "الشعب" مشكلةً جديدةً فيما يتعلق باعتبار "الشعب" جزءاً أو كُلّاً؛ فهل ينضوي كل السكان ضمن "الشعب"؟ هل يتألف "الشعب" من مجموع السكان الذين يحملون جنسيةَ دولةٍ ما؟ وماذا عن السكان الذين لا يحملون، لسببٍ أو آخر، جنسية تلك الدولة؟ أم أن "الشعب" يقتصر على جزءٍ فقط من مجموع السكان في دولةٍ ما؟
في الواقع، غالباً ما يُطْرَحُ مصطلح "الشعب" تاريخياً في صورةٍ نمطيةٍ للدلالة على المحكومين الذين يختلفون عن الحكام والأشراف والنبلاء ورجال الدين وأصحاب النفوذ والشوكة. وفي العصر الحالي تَتِمُّ إعادة مَوْضَعَةُ المصطلح ليغدو "الشعب" قُطْباً في مقابل الأنظمة الحاكمة (لكن أليستِ الأنظمة المُنْتَخَبَةُ والحاصلة على الشرعية السياسية والقانونية جزءاً من "الشعب"؟ وهل الوصول إلى الحكم يقتضي حُكْماً انفصالاً عن "الشعب"؟).
لكنه من الدارج استخدام مصطلح "الشعب"، في سياقٍ أكثر شعبويةً، للدلالة على "عامة الشعب" الذين يُشَكِّلُون كُلّاً مُنْشَطِراً في مقابل "النخب" بكل أشكالها: النخب الحاكمة والمثقفة والمعارضة وغيرها. برز هذا الانشطار بوضوحٍ منذ القِدَم في الشعار الروماني الشهير: "شيوخُ وشعبُ روما Senatus Populusque Romanus (SPQR)" (وُجِدَ هذا الشعار بالتوازي مع مصطلح "الشعب الروماني الكُلّي" المذكور في بداية المقال – مع أنه مُنَاقِضٌ له). وأحياناً تتم المبالغة في هذا الانشطار عبر إخضاع مصطلح "الشعب" إلى عملية تقشيرٍ تَعَسُّفِيّةٍ تُقْصِي "النخب" بكل أنواعها، إضافةً إلى حَمَلَةِ الآراء السياسية والفكريّة اللاسائدة، ودعاةِ التغيير الحقيقي، ومن يخرج عن النَّسَقِ التقليدي، واعتبار كلِّ هؤلاء غير مُنْضَوين تحت مصطلح "الشعب". وقد يبلغ التقشير مَداه حين يتم إقصاء الطبقات المدينية المتوسطة، والأقليّات المعتمدةِ على هوياتٍ لا حداثية، والمعارضة السياسية المُنَظّمَة وجعل كل هؤلاء خارج دائرة "الشعب".
لقد أعيدَ ضخُّ الحياة في "الشعب" في سياق الحراكات الشعبية في منطقة الشرق الأوسط، في مثالٍ جديدٍ لممارساتٍ شعبيةٍ حقيقيةٍ بعيدةٍ عن عُقْمِ الخطابات المُجَوّفة. وتَوَخِّياً للدقة لا يمكن القول أن كلَّ "الشعب" قد شارك في هذه الحراكات، لأن مثل هذا القول ليس سوى إعادة توليدٍ لخطابٍ استبداديٍ ووقوعٍ في فخِّ الإقصاء (يقتضي مثل هذا الخطاب بأن كلَّ منْ لم يشارك ليس من "الشعب"). إذ لم يذكر التاريخ أن شعباً بأكمله قد شارك أو توافق على أمرٍ معين (حتى في ظل أكثر الأنظمة القمعية شموليةً ودمويةً)، "فالشعب" ليس حَشْداً من الروبوتات الخامِلة، بل مجموعٌ من الأفراد المُشَكِّلِين له بكلِّ ما يَحْمِلُونَهُ من طموحاتٍ وأهدافٍ. ولهذا لَعَلّهُ من الأسْلَمِ القول بأن الحراكات الأخيرة قد شهدتْ مشاركةً واسعةً لشرائح متعددةٍ من المُكَوِّنات السكانية المُشَكِّلَة لشعوب المنطقة. مع التأكيد على أن الكثرة أو القِلّة في المشاركة الشعبية لا تمنحُ أو تنزعُ شرعيةَ أيِّ حراكٍ شعبيٍّ ضد الاستبداد؛ فهذه الشرعية مستندةٌ، أولاً وقبل كل شيء، إلى أسُسٍ أخلاقيةٍ وحقوقيةٍ وسياسية.
لكن ما لَبِثَ أن رفع معظم من يملك "الخطاب" لصاقة "الشعب" ليدّعي الدفاع عنه، والتحدث باسمه، في تَمَثُّلٍ تراجيديٍ لقميص "عثمان"/الشعب. هنا لا يتجسَّدُ "عثمان" في شخصٍ مُفْرَدٍ ذي مرجعيةٍ واضحةٍ، بل يأخذ صورةً "مُبْهَمَةً" يتواطؤ الجميع على إبقائها "مُبْهَمَةً" كقاعدةٍ مُسَلَّمَةٍ مَتَوَافَقٍ عليها، ومَسْكُوتٍ عنها. وعبر المحافظة على "الشعب" كمفهومٍ غير مُتَعَيِّنٍ، وغير مُحَدَّدٍ، ومجهول الامتداد والحواف والحدود والمحتوى، فإن مثل هذا "الشعب"، ووفقاً لهذه الصفات، سيكون عُرْضَةً للادِّعاء، والمُصَادَرة، والحديث باسمه أو تحميله ما يُراد منه أن يحمل أو يقول: وهكذا تكتملُ فُصُولُ المَلْحَمَة المؤلمة، وتتم سرقة "الشعب". هذا ما يُبَرِّرُ ديماغوجية الطرح التي تنهالُ علينا من هنا وهناك في كليشيهات "الشعب يريد": فالشعب يريد حظر جوي، والشعب يريد تدخل عسكري، والشعب يريد تدخل الجيش لتخليصه من الإرهابيين، والشعب يريد القائد الملهم إلخ؛ كلها مناشداتٌ صِراعيةٌ، لا علاقة لها بالوطن وازدهاره، لكنها مناشداتٌ تُقَالُ بالنيابة عن كلِّ "الشعب" وعلى لسانه وباسمه، من قبل صُنّاع "الخطاب" (هذا لا ينفي أن قِطّاعاً من "الشعب" يُرَدِّدُ هذه المناشدات). ويُلْحَظُ في سياق الحراكات الشعبية في منطقتنا ميلُ المتحدثين باسم "الشعب" إلى بناء مقدماتهم من منطلقٍ شخصانيٍّ بَحْتٍ (دفاعٌ عن بشار الأسد، أو كراهيةٌ له مثلاً). وهكذا يتحول "الشعب" مرةً أخرى، وعلى يد من يدّعي الدفاع عنه، إلى ضحيةٍ لعقلية الشخصنة السائدة، وإلى مُجَرّد قطبٍ يتم اختزاله وتسخيره كي يدعم أو يَشْتُمَ مُجَرَّد شخصٍ، مع ما في ذلك من إهانةٍ لملايين السوريين ووضعهم على قدم المساواة الرّمزية مع فرد: يفنى الشعب في سبيل بقائه، أو يفنى الشعب في سبيل خلعه.
لا يمكن استنطاق "الشعب" وادّعاء تمثيله والوصول إلى صورةٍ دقيقةٍ "للرأي العام" إلا ضمن شروطٍ صارمةٍ قد تتوفر، جزئياً على الأقل، في سياق الديمقراطية الغربية باعتبارها من أفضل النظُم الموجودة حالياً (هذا لا يعني بأي حالٍ بأن الديمقراطية الغربية حالةٌ مثاليةٌ بالمطلق). حيث تشتمل هذه الشروط على مشاركةِ كلِّ من يحقُّ لهم المشاركة، وأن يتمتعوا بحدِّ أساسيٍّ من الثقافة والوعي (بما يُمَكِّنُهم من الاختيار الحر)، وأن يكونوا مُطّلِعِين بشفافيةٍ على مُلابَسَاتِ ما سيتم البتُّ فيه، وألا يكونوا مُرْتَهِنِين لخلافاتٍ إيديولوجيةٍ أو إلى مَرْجِعِيّاتٍ تعود إلى ما قبل الدولة الحديثة. لكن بدلاً من العمل الدؤوب لترسيخ ممارساتٍ سياسيةٍ سليمةٍ تحوَّل مصطلح "الشعب" في منطقتنا، منذ صعوده في القرن العشرين، إلى مفهومٍ تَتَنَازَعُه "النخب" بقطبيها الشعبوي والاستعلائي، وإلى حجةٍ يختبئُ خَلْفَها الكثيرون لتبرير العجز وجَلْد الذات، أو تمرير المصالح والمنافع الرخيصة. ويُذَكِّرُنا هذا بما قاله المُنَظِّرُ المَلَكِيّ royalist الإنكليزي "روبرت فيلمر Robert Filmer" (ت 1653 م) في ذمِّ استغلال كلمة "الشعب" باعتبارها ملاءةً تسمح للمُدّعين بالوصول إلى مآربهم السلطوية.
نتابع في هذه الأيام، وبكلِّ أسىً، استباحةً كاملةً "للشعب السوري" بكل توجهاته ومكوناته في استنزافٍ أليمٍ وعبثيٍّ ومُدَمِّر. يقومُ صُنّاعُ الخطاب السائد وأصحابُ الصوت العالي، الذين ينتمي معظمهم إلى "الشعب السوري"، باستغلال الإبْهَامَ الذي يَكْتَنِفُ مصطلح "الشعب" بشكلٍ عام، فيحافظون على هذا الإبهام بما يَضْمَنُ سرقة "الشعب السوري" بأكمله. وتتعدد مظاهر السرقة من نشر الأمل الكاذب، والوعود الوردية، وغياب المصارحة والشفافية بين صُنّاع الخطاب ومن يَتَلَقَّى الخطاب، إلى تحطيم الأحلام وتفريغ المستقبل، وتهديم الدولة والمفاهيم والقيم الأخلاقية الإنسانية. وتكتملُ السرقة عبر الامتناع عن نشر الأفكار التنويرية ومستلزمات التغيير الحقيقي، واللجوء، عوضاً عن ذلك، إلى تأجيج الصراع العنفي بين المكونات السكانية التي يتألف منها "الشعب السوري"، وتحويلها إلى حطبٍ لنيران الاقتتال، وأداةً للتسلق والانتهازية.
وتصلُ السرقة أقصى درجاتِ تَطَرُّفِها الاستئصالي مع حرمانِ مكوناتٍ سكانيةٍ سوريةٍ بعَيْنِها من حَقِّ الحياة، وإقصائها كُلِّيّاً، ورفض اعتبارها كجزءٍ من "الشعب السوري" بسبب توجهاتها السياسية أو الدينية أو غيرها. ويكثرُ، في هذا السياق الإقصائي، استخدام كلماتٍ مثل "احتلال" و"إرهاب" مما سيترك آثاراً هَدّامَةً في الذاكرة الجمعية لمختلف المكونات السورية في الحاضر والمستقبل.
وللأسف يحدث كلُّ هذا بالنيابة عن "الشعب السوري" وباسمه، عبر خطابٍ تمجيديٍ مُتَعَطِّشٍ لسفك دماء "الشعب السوري"، وتهليلٍ فجٍّ للقتل والتنكيل "بالشعب السوري"، دون التوقف بُرْهَةً لتأملِ الفشل الذريع في تعزيز قِيَمِ الحياة والبناء والازدهار، ودون أدنى اعتبارٍ للجروح التي تتركُ آثارها عميقاً في "الشعب السوري" بعد أن تَمَّتْ سرقته بنجاح!